يمد عباس محجوب في هذا الكتاب خط التربية من بدايات الاجتماع الإنساني إلى تشكل النظرية والمؤسسات التعليمية في الحضارة الإسلامية، فيفتتح بفكرة أن التربية صاحبت الإنسان منذ وجوده، وأن المجتمعات الأولى نقلت الخبرات إلى صغارها بالتقليد والمحاكاة والمشاركة في الصيد والزراعة وشؤون الحياة، ثم يستحضر قصة آدم عليه السلام وتعليمه الأسماء وتجربته مع الأمر والنهي والتوبة، وقصة ابني آدم وما فيها من تعلم الإنسان حتى من مشاهدة الغراب، ليجعل التعلم والتجربة والتوجيه ملازمة لمسيرة البشر منذ بدايتها. وبعد هذا المدخل يستعرض صورًا من التربية القديمة في الصين ومصر والهند وإسبرطة وأثينا والرومان، فيعرض ارتباط التعليم الصيني بالدولة والامتحانات وإعداد الموظفين، وعناية المصريين بالثقافة والمهنة والدين، واحتكار البراهمة جانبًا من التعليم في الهند، وشدة التربية العسكرية في إسبرطة، واتجاه أثينا إلى الجمع بين الجسم والعقل والخلق والفن، ثم يمر بالتربية الرومانية والمسيحية واليهودية وبأحوال الفرس، مستعينًا بكتب تاريخ التربية وبكتابات أخرى لتكوين صورة عن البيئات التي سبقت ظهور الإسلام. وعند العرب في الجاهلية يصف تربية قبلية فطرية تكتسب فيها الأخلاق والمهارات من الآباء والعشيرة، وتبرز فيها الشجاعة والكرم والمروءة والخطابة والشعر والفروسية، وتقوم الوصايا والحكم والأسواق الموسمية مثل عكاظ وذي المجاز ومجنة بدور في تبادل الأفكار والخبرات ونشر القيم. ويضع ظهور الإسلام عند نقطة التحول الكبرى في هذا المسار؛ فيبدأ بقلة من يعرفون القراءة والكتابة، ثم يورد تشجيع النبي صلى الله عليه وسلم على تعلمها، وتعليم أسرى بدر، وتوجيه زيد بن ثابت رضي الله عنه إلى تعلم كتابة اليهود والسريانية، ويصور دار الأرقم بمكة باعتبارها نواة تربوية مبكرة ربى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ثم يجعل المسجد النبوي بعد الهجرة مركزًا للعبادة والتعليم والتشريع وإدارة شؤون المجتمع والدعوة. وكان القرآن محور تكوين الجيل الأول، ومعه القدوة والموعظة والتجربة العملية والتوجيه في المواقف، كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى يثرب وغيره من المعلمين إلى القبائل والأقاليم لنقل العلم والتربية والدعوة.
ويرصد محجوب اتساع الحركة التعليمية بعد ذلك مع الفتوحات واختلاط العرب بغيرهم وانتشار الصحابة رضي الله عنهم في الأمصار؛ فازدادت الحاجة إلى القراءة والكتابة، ونشأت مراكز علمية في المدينة ومكة والكوفة والبصرة ومصر والشام، وبرز قدر من التخصص بين الصحابة والتابعين في التفسير والحديث والفقه واللغة والقضاء والأنساب والمغازي. ويعرض المسجد بوصفه أهم فضاء للتعليم في صدر الإسلام، حيث تعددت الحلقات، ثم ظهرت الكتاتيب لتعليم القراءة والكتابة والقرآن، ويذكر اختلاف طرائق تعليم الصبيان بين المغرب والأندلس وإفريقية والمشرق، مع بقاء القرآن أصلًا تنبني عليه بقية الملكات. ثم يحدد 3 مواد رئيسية شكلت المنهج في صدر الإسلام: القرآن حفظًا وتفسيرًا، والحديث روايةً وجمعًا، واللغة التي ازدادت العناية بها مع ظهور اللحن والحاجة إلى حفظ العربية، ويضيف إلى ذلك مبادئ تربوية مثل استمرار التعلم طوال الحياة، والتدرج في تحصيل العلم، وعدم أخذه دفعة واحدة، ومراعاة الفروق الفردية والجوانب النفسية في التعليم. وفي العصر الأموي تتسع المادة لتشمل الشعر والأدب والتاريخ والقصص إلى جانب القرآن والحديث والفقه واللغة، ثم تدخل العلوم الطبيعية والرياضية، وتتكون مدارس في الحديث والفقه والنحو، وتظهر مدرستا البصرة والكوفة في اللغة، ومدارس الرأي والحديث في الفقه، ويصور المؤلف هذا الاتساع بوصفه تمهيدًا لتبلور النظريات التربوية والمدارس الفكرية في القرون التالية. ويقف طويلًا عند ما حدث منذ القرن 4 من اختلاف مناهج المحدثين والفقهاء، ثم عند القرن 5 حين برز الماوردي والخطيب البغدادي والغزالي في تحديد أهداف التربية وطرائقها، وتقدم لديهم غاية إعداد الإنسان للدنيا والآخرة، وتربية العقل، وترتيب العلوم، والجمع بين الثقافة العامة والتخصص؛ وفي الوقت نفسه ارتبط إنشاء المدارس النظامية والنورية وغيرها بالصراعات المذهبية والسياسية وبمحاولة توجيه التعليم لخدمة اتجاهات عقدية وفقهية معينة. ويستعرض كذلك الجامع الأموي وجامع المنصور والأزهر والمدرسة النظامية والنورية بوصفها نماذج لمؤسسات التعليم، مبينًا الفرق الوظيفي بين المسجد الذي جمع العبادة والتعليم وشؤون المجتمع، والمدرسة التي خصصت للدراسة وإقامة الطلاب. أما خاتمة البحث فتتجه إلى تفسير التراجع؛ إذ يربط المؤلف ما وقع في القرنين 6 و7 وما بعدهما بالتعصب المذهبي، وتجزؤ المؤسسات على أساس المذاهب، وتدخل السلطة في توجيه التعليم، والانفصال بين العلوم الدينية والطبيعية، ثم يرى أن الجمود ازداد منذ القرن 8 مع الاكتفاء باختصار كتب السابقين وشرحها وتضييق المنهج على بعض العلوم، وينهي المقال معلنًا أن هذه الصورة التاريخية تمهيد لتفصيل جهود علماء التربية الإسلامية وآرائهم في دراسات لاحقة.