يُفْتَتَح «الاعتقاد القادري» -وهو في أصله من تأليف أبي أحمد محمد بن علي الكَرَجي القصّاب، ثم كتبه الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليه- بتقرير توحيد الله تعالى وما يتصل بربوبيته وصفاته؛ فيثبت أنه سبحانه واحد لا شريك له، أول لم يزل وآخر لا يزال، قادر على كل شيء، غني عن خلقه، خالق الدهور والأزمان والليل والنهار والسموات والأرض وسائر الموجودات، وأنه كان ولا شيء معه ولا مكان يحويه، وخلق العرش من غير حاجة إليه واستوى عليه كيف شاء وأراد، مع نفي أن يكون استواؤه راحة كراحة المخلوقين. ويصفه بأنه مدبر الخلق ورازقهم ومحييهم ومميتهم، وأن الملائكة والأنبياء والمرسلين وسائر الخلق عاجزون مفتقرون إليه، ثم يثبت له القدرة والعلم والسمع والبصر والكلام، ويجعل الأصل في باب الصفات ألا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الصفات الواردة صفات حقيقية لا مجازية مع امتناع إحاطة الخلق بكُنْهها. ويتبع ذلك بالكلام على القرآن، فيقرر أنه كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلم به وأنزله على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام بعدما سمعه منه، وأن تلاوة جبريل له ثم تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والأمة لا تجعله مخلوقًا، بل يظل عنده كلام الله غير مخلوق حال كونه متلوًّا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا، ويشدد في الحكم على القول بخلقه.
ثم ينتقل المتن إلى الإيمان، فيجعله قولًا وعملًا ونيةً وتصديقًا، يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، ويقرر زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية، وأن له أجزاءً وشُعبًا، ويذكر الاستثناء في الإيمان فيقول المرء: «مؤمن إن شاء الله» أو «أرجو أن أكون مؤمنًا» من غير أن يكون ذلك شكًّا في أصل إيمانه، وإنما باعتبار ما يخفى عليه من خاتمته وعاقبته، ويضم إلى مسمى الإيمان ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من الفرائض والسنن والفضائل. ثم يقرر محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا، وأنهم خير الخلق بعده، ويرتب أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا رضي الله عنهم في الفضل، ويشهد للعشرة بالجنة، ويأمر بالترحم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والكف عما شجر بين الصحابة، وينص على ألا يقال في معاوية رضي الله عنه إلا خيرًا. ويفرد من بين الفرائض الصلاة بحكم شديد، فيقرر كفر من يترك الصلاة المكتوبة عمدًا من غير عذر حتى يخرج وقت الأخرى، ولا يلحق سائر الأعمال بهذا الحكم إلا مع جحدها، ثم يختم بأن هذه الجملة هي «قول أهل السنة والجماعة»، ويحض على التمسك بها وعلى قبول الموعظة والاعتصام بالسنة. والمتن نفسه موجز لا يتجاوز بضع صفحات؛ وقد أورده ابن الجوزي بتمامه في «المنتظِم»، في حين كانت المجالس التي عقدها القادر بالله سنة 420هـ أوسع مادةً، إذ أضيف إليها الوعظ وأخبار وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفضائل الصحابة والرد على القول بخلق القرآن وغيرها، وهو ما يفسر وصف بعض المؤرخين للكتاب المقروء في تلك المجالس بالطول.