يبحث محمد الطاهر بن عاشور في «مقاصد الشريعة الإسلامية» عن الغايات العامة والخاصة التي جاءت الأحكام الشرعية لتحقيقها، وعن الطرق التي تمكّن الفقيه من معرفتها والاستناد إليها في فهم التشريع والاجتهاد. وقد دفعه إلى تأليف الكتاب ما رآه من عُسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، واستمرار الخلاف بسبب اعتماد كثير من مسائل أصول الفقه على أصول وقع الاختلاف فيها نفسها، فدعا إلى استخلاص أصول قطعية أو قريبة من القطع للتفقه في الدين، وإعادة النظر في مسائل الأصول المتصلة بالمقاصد وصوغها في علم خاص بمقاصد الشريعة. واستفاد من صنيع الشاطبي في «الموافقات» مع تصريحه بأنه يقتفي آثاره ولا يقصد نقله أو اختصاره، ووجّه عنايته بوجه خاص إلى مقاصد التشريع في قوانين المعاملات والآداب وما يظهر فيها من موازنة المصالح والمفاسد وحفظ نظام العالم وإصلاح المجتمع. وقسّم الكتاب ثلاثة أقسام: الأول في إثبات أن للشريعة مقاصد، واحتياج الفقيه إلى معرفتها، وطرق إثباتها ومراتبها، وطريقة السلف في مراعاتها، وصلتها بدلالة النصوص، والتمييز بين المقاصد القطعية والظنية وبين الأحكام المعللة والتعبدية؛ والثاني في المقاصد العامة للتشريع؛ والثالث في المقاصد الخاصة بأنواع المعاملات. ويجعل استقراء تصرفات الشريعة أعظم طرق معرفة مقاصدها، ولا سيما باستقراء الأحكام المعروفة عللها واستخلاص الحكمة الجامعة من علل متكررة، كما يشدد على ألا يُنسب إلى الشريعة مقصد كلي أو جزئي إلا بعد التثبت واستقراء تصرفاتها في بابه والاستضاءة بفهم أئمة الفقه؛ لما يترتب على تعيين المقصد من أحكام واستنباطات كثيرة.
ويفصل في المقاصد العامة ابتداءً من الصفة التي تضبط المقصد الشرعي، ثم يجعل الفطرة أصلًا عظيمًا تُبنى عليه مقاصد الشريعة، ويبحث السماحة واليسر والمصلحة والمفسدة وطلب الشريعة للمصالح وأنواعها، وعموم الشريعة والمساواة، ثم ينتقل إلى تغير الأحكام وتقريرها بحسب ما تقضي به أوصافها وعللها، وإمكان القياس عليها، وإبطال الحِيَل التي تُبقي صورة العمل المشروعة مع إهدار حكمته، وسد الذرائع، والضبط والتحديد، ونفوذ التشريع، والرخصة، ومراتب الوازع، ومدى حرية التصرف، ووجوب الاجتهاد. ويرد المقصد العام للتشريع إلى حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس بما يعصمهم من التفاسد والتهالك، عن طريق تحصيل المصالح واجتناب المفاسد، ويبحث المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية وما يتصل بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، مع مراعاة تفاوت المصالح وقوتها وآثارها. ثم يخصص القسم الأخير لمقاصد المعاملات، مفرقًا بين المقاصد والوسائل، وبين مقاصد الشريعة ومقاصد الناس في تصرفاتهم؛ فالمقاصد الشرعية الخاصة بالمعاملات هي الكيفيات التي شرعت لتحقيق مصالح الناس النافعة وحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، مثل التوثق في الرهن، وإقامة نظام الأسرة بالنكاح، ودفع الضرر بالطلاق. ويتناول من هذا المنطلق تقنين الحقوق، ومقاصد النكاح والنسب والقرابة والصهر وطرق انحلال هذه الروابط، ثم مقاصد التصرفات المالية والملك والتكسب وتداول الأموال والعقود وما يعرض لها من صحة وفساد، والمعاملات القائمة على عمل الأبدان وحقوق العاملين، والتبرعات، والقضاء والشهادة، والعقوبات؛ رابطًا الأحكام الجزئية بالمصالح التي شُرعت لتحقيقها، وبما يحفظ للأفراد مصالحهم من غير أن يفضي سعيهم الخاص إلى الإضرار بالمصلحة العامة.