يَتتبَّع أبو المنذر هشام بن محمد الكَلْبي في كتاب «الأصنام» نشأةَ عبادة الأوثان والأصنام عند العرب، وانتقالهم عمّا بقي فيهم من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى الشِّرك، فيذكر أنهم ظلوا يعظِّمون الكعبة ويحجّون ويعتمرون، ثم حمل الخارجون من مكة حجارةً من الحَرَم تبركًا بها، فطافوا بها في منازلهم، حتى آل الأمر إلى عبادتها. ويجعل عَمرو بن لُحَيّ من أبرز من أدخل عبادة الأصنام إلى العرب، ويروي أخباره في جلبها ونصبها والدعوة إليها، وما اقترن بذلك من تغيير بعض شعائرهم. كما يورد أخبارًا ترجع بأصل بعض الأصنام إلى أقوام سابقين، ولا سيما وَدّ وسُواع ويَغوث ويَعوق ونَسر، وما نُقل في سبب اتخاذ صورهم وتعظيمها ثم عبادتها.
ثم يَعرض أصنام القبائل ومعبوداتها واحدًا بعد آخر، محددًا أسماءها ومواضعها والقبائل التي كانت تعظِّمها وسَدَنتها وما يُمارس عندها من طقوس. فيفصل القول في مَناة واللات والعُزّى وهُبَل وإساف ونائلة، ثم يذكر ذا الخَلَصة، وسعدًا، وذا الكَفَّين، وذا الشَّرى، والأُقَيْصر، ونُهمًا، وعائمًا، وسُعيرًا، وعُميانِس، والفَلْس، وغيرها من الأنصاب والبيوت التي عظمتها قبائل العرب. ويصف ما كان يقع عندها من الطواف والذبح والنحر، وتقديم الهدايا، والحلف، والاستقسام بالأزلام، وحلق الرؤوس، والتمسح بالأصنام، حتى يذكر أن بعض أهل مكة كان له صنم في داره يمسح به عند السفر والقدوم. ويميز بين «الأنصاب» من الحجارة المنصوبة، وبين ما كان على هيئة تماثيل، ويسمي طوافهم بها «الدَّوار» وذبائحهم عندها «العَتائر».
وتحتل الأشعار الجاهلية جانبًا كبيرًا من مادة الكتاب؛ إذ يستشهد ابن الكَلْبي بها لإثبات أسماء الأصنام وشيوع تعظيمها، ومواضعها وطقوسها وصلتها بالقبائل، فيورد شعرًا في مَناة واللات والعُزّى وهُبل والأقيصر وذي الخَلَصة وغيرها، ويشرح أحيانًا بعض ألفاظه وأسماء المواضع الواردة فيه. كما يسجل أخبار من رفضوا عبادة بعض الأصنام قبل الإسلام أو انصرفوا عنها، ثم يتابع مصائرها بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما جرى من هدمها وتحطيمها وإحراقها، كالعُزّى واللات وذي الخَلَصة ووَدّ والفَلْس. وبذلك يرسم الكتاب صورةً خبرية مفصلة للوثنية العربية في الجاهلية، لا تقتصر على أسماء المعبودات، وإنما تشمل انتشارها الجغرافي، وصلاتها القَبَلية، وسَدَنتها، وشعائر عبادتها، والشواهد الشعرية المرتبطة بها، ثم زوال جانب كبير منها مع ظهور الإسلام والدعوة إلى توحيد الله تعالى.