يشرح عبد الله بن محمد الغنيمان في هذا الكتاب آخر كتب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري، متتبعًا تراجم أبوابه وأحاديثه للكشف عن مقاصد البخاري ووجوه استدلاله بها في مسائل التوحيد والأسماء والصفات. ويمهد للشرح ببيان كمال الدين وتمام بيان النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته، وأن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وما يجب له على عباده من أصل الدين الذي بينه الكتاب والسنة، ثم يعرض نشأة الانحراف في مسائل الاعتقاد وظهور عدد من الفرق والمقالات، ويتحدث عن الخوارج والرافضة والقدرية والمعتزلة والمرجئة والجهمية والأشعرية، وما وقع بسبب علم الكلام والتأويل من مخالفة لطريقة السلف في أبواب الصفات. ويبين أن الإمام البخاري جعل «كتاب التوحيد» ردًا بالنصوص من القرآن والسنة على الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، كما رد على المرجئة في «كتاب الإيمان»، وأن طريقته تقوم على إيراد الأدلة الدالة على الاعتقاد الصحيح دون بناء مسائل التوحيد على أصول المتكلمين. ويحدد الغنيمان منهجه في الشرح فيذكر الحديث بسنده، ثم يترجم لراويه من الصحابة رضي الله عنهم ترجمة موجزة، ويبين مراد البخاري من الحديث ووجه استدلاله، ويعزو النقول إلى مصادرها ويحدد مواضع الآيات والأحاديث، ولا يستطرد في رجال أسانيد أحاديث الصحيح، ويعتني بنقل كلام السلف في أسماء الله تعالى وصفاته، ويرد الأقوال التي تخالف النصوص. ويبدأ بأول أبواب الكتاب في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تعالى، فيشرح حديث بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن وما يدل عليه من البدء بالتوحيد قبل سائر الفرائض، ثم يتتبع أبواب البخاري في أسماء الله تعالى وصفاته، مثل الرحمن والرزاق والسلام والمؤمن والملك والعزيز والحكيم والقادر ومقلب القلوب، وحديث الأسماء الحسنى، ثم صفات النفس والوجه والعين واليدين والأصابع، والخلق والتصوير، والغيرة، والعظمة، والعلو والاستواء على العرش، والعروج إليه تعالى، والقرب والمعية، مثبتًا ما جاء به الكتاب والسنة من غير تمثيل ولا تعطيل، مع تقرير أن علو الله تعالى واستواءه على عرشه لا ينافي معيته لخلقه وقربه من أوليائه وأنبيائه عليهم السلام.
ويستهل الجزء الثاني بباب رؤية المؤمنين ربهم تعالى يوم القيامة، فيجمع أدلة القرآن والسنة وآثار السلف على إثبات الرؤية، ويشرح ما يتصل بها من أحاديث الموقف والشفاعة ومخاطبة الله تعالى لعباده. ثم تتسع أبواب الشرح في صفات الأفعال والقرب والرحمة والإمساك والكلمات والمشيئة والإرادة وخلق أفعال العباد، فيبين عموم مشيئة الله تعالى وقدرته وخلقه، مع إثبات فعل العبد وكسبه ومسؤوليته عن عمله. ويخصص قسمًا واسعًا لصفة الكلام، فيشرح أبواب كلام الله تعالى ووحيه وندائه، وكلامه مع جبريل عليه السلام والملائكة، وكلامه مع الأنبياء عليهم السلام ومع الخلق يوم القيامة وأهل الجنة، وتكليمه موسى عليه السلام، ويقرر أن الله تعالى يتكلم حقيقة بكلام يسمع، وأن القرآن والتوراة والإنجيل وسائر كتبه كلامه تعالى غير مخلوق، ويفصل بين كلام الله تعالى وبين أصوات العباد وأفعالهم عند القراءة؛ فتلاوة القارئ وصوته وعمله مخلوقة، أما القرآن المتلو فهو كلام الله تعالى غير مخلوق. ويتابع شرح أبواب تبليغ الوحي وقراءة التوراة والكتب السابقة، وتحسين الصوت بالقرآن، وتيسير القرآن للذكر، واللوح المحفوظ، ثم باب خلق الله تعالى للعباد وأعمالهم، وقراءة الفاجر والمنافق وأن تلاوتهما لا تجاوز حناجرهما إذا لم يصل أثر القرآن إلى القلب. ويختم مع البخاري بباب الموازين وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن يوم القيامة، مبينًا أن قول العبد وقراءته وذكره من عمله الذي خلقه الله تعالى ويجازيه عليه، ثم يشرح الحديث الأخير في الصحيح: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، وما فيه من إثبات محبة الله تعالى لبعض الكلام والأعمال وفضل التسبيح والتحميد، رابطًا خاتمة الصحيح بوزن الأعمال يوم القيامة وبالتوحيد الذي ختم البخاري به كتابه.