
نبذة عن الكتاب:
يحصر ابن حزم الأندلسي في «مراتب الإجماع» المسائل التي يقرِّر ثبوت الاتفاق فيها بين علماء الإسلام، ويفصلها عن المسائل التي ثبت فيها الخلاف، قاصدًا حصر مواضع الإجماع التي يمكن الرجوع إليها في أبواب الدِّين المختلفة. ويقدِّم لذلك ببحث حقيقة الإجماع وحدوده، فيميِّز بين ما يسمِّيه «الإجماع اللازم»، وهو الاتفاق على وجوب شيء أو تحريمه أو إباحته، و«الإجماع المجازي»، وهو الاتفاق على أنَّ صورة معيَّنة يتحقق بها أداء الواجب أو اجتناب المحرَّم وإن اختلف العلماء فيما سواها. كما يناقش ما أُدخل في مفهوم الإجماع من قول الأكثر، أو القول الذي لم يُعرف له مخالف، أو قول الصَّحابي الذي لم يُنقل خلافه، أو عمل أهل بلد بعينه، ويبيِّن المعيار الذي يعتمده في إثبات الإجماع.
ويشترط ابن حزم في الإجماع الذي يورده أن يتيقَّن انتفاء الخلاف فيه بين من يعتد بهم من علماء الإسلام، وأن يبلغ العلم به درجةً يقارنها بالعلم بالأخبار المستفيضة التي لا يقع فيها شك. ويحدِّد العلماء الذين يعتبر أقوالهم بمن حُفظت عنهم الفتيا من الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة الحديث ومن تبعهم، ثمَّ يصرِّح بأنه يريد في كتابه «الإجماع التام» الذي لا يُعرف فيه مخالف، ويجعل هذا الضابط أساسًا لما يسوقه بعد ذلك من مسائل.
ويرتِّب مادَّته على أبواب الفقه، فيبدأ بالطَّهارة وما يتصل بالمياه والنَّجاسات والوضوء والغسل والتَّيمم والاستنجاء والآنية وأحكام الحيض، ثمَّ ينتقل إلى الصَّلاة، فيسوق مواضع الاتفاق في شروطها وأوقاتها وأركانها وصفاتها والجماعة والإمامة والسَّفر والخوف والنَّوافل والسُّجود والسَّهو وغير ذلك. ويواصل في الجنائز والزَّكاة والصِّيام والحج، جامعًا في كل باب العبارات التي يرى انعقاد الإجماع عليها، مع صياغة دقيقة قد يقيِّد فيها الحكم بأوصاف واستثناءات كثيرة ليخرج صور الخلاف من دعوى الاتفاق.
ويمتدُّ الاستقراء إلى أبواب المعاملات والقضاء، فيتناول الأقضية والدَّعاوى والبيِّنات والحقوق، والتفليس والحَجر والغصب والرَّهن، ثمَّ يبحث النِّكاح وما يتصل به من الصَّداق والطَّلاق والعِدَد والرَّجعة، والرَّضاع والنَّفقات والحضانة. ويعرض بعد ذلك مسائل البيوع وما يلحق بها من العقود والتصرفات الماليَّة، ثمَّ الفرائض والمواريث والوصايا والأوصياء، جامعًا ما يراه متيقَّن الاتفاق في هذه الأبواب من غير أن يجعل الكتاب موضعًا لاستقصاء الأقوال المختلف فيها أو مناقشة أدلَّتها تفصيلًا.
ويتناول كذلك مسائل الحدود والجنايات وما يتصل بالحقوق والعقوبات، وأبوابًا تتعلق بالجهاد والجزية والأمان والإمامة وشؤون الجماعة، فيستمر على طريقته في تقرير القدر الذي يراه خارجًا عن دائرة النزاع. ولهذا لا يقوم بناء الكتاب على شرح كل مسألة فقهية بأدلتها، وإنما على تحرير صيغة يمكن عنده أن توصف بالإجماع؛ فقد يذكر في المسألة قدرًا مخصوصًا أو حالةً محدَّدة يتفق العلماء عليها، وإن بقيت صور أخرى من المسألة نفسها محل خلاف.
ويختم ابن حزم مادَّته بجملة من مسائل الاعتقاد، فيذكر ما يراه محل اتفاق في الإيمان بالله تعالى، والتَّوحيد، والنُّبوَّة، وما جاء به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وصدق القرآن، والبعث والحساب والجنَّة والنَّار والتوبة، وغير ذلك من أصول الاعتقاد. ويضم إلى ذلك مسائل تتصل بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والإيمان والإسلام، مع تمييزه بين القدر المتفق عليه وبين التفصيلات التي وقع فيها النزاع، محافظًا على الغرض الذي وضع الكتاب من أجله، وهو تسجيل مواضع الاتفاق لا استقصاء مسائل الخلاف.
وينبِّه ابن حزم في خاتمته إلى ضرورة مراعاة ألفاظه وقيوده، ويطلب ألَّا يُنسب إليه لازم لم يصرِّح به؛ لأنَّ إثباته الاتفاق على صورة لا يعني بالضرورة الحكم على كل صورة مخالفة لها. ويؤكِّد أنَّ كل لفظ أدخله في صياغة الإجماع مقصود لدفع معنى قد يختل الحكم بدونه، ويميِّز بين عباراته في نفي الإجماع ونفي الاتفاق، بما يكشف عن عنايته الشديدة بحدود العبارة عند نقل ما يراه إجماعًا.
ثم يناقش تقي الدِّين ابن تيميَّة في «نقد مراتب الإجماع» ما قرَّره ابن حزم من ضوابط الإجماع وما حكاه من مسائل الاتفاق، فيراجع أولًا اشتراطه اليقين بانتفاء المخالف وبلوغ العلم بالإجماع منزلةً تشبه التواتر والضرورة، ثمَّ يبيِّن أنَّ عددًا من المسائل التي نقل ابن حزم الإجماع عليها قد ثبت فيها خلاف بين العلماء. كما يعترض على قوله إنَّ تكفير مخالف الإجماع محل اتفاق، ويذكر أنَّ العلماء اختلفوا في ذلك، وأنَّ الحكم على المخالف يرتبط بثبوت الإجماع وبلوغه إليه وعلمه به.
ولا يكتفي ابن تيميَّة بالاعتراض النظري، بل يتتبَّع عددًا كبيرًا من دعاوى الإجماع مسألةً مسألة، فيورد عبارة ابن حزم ثمَّ يذكر ما يعرفه من خلاف فيها. ويبدأ بأمثلة من الطَّهارة، كأحكام الماء الجاري والمائعات التي يتوضأ بها وغسل المرفقين والاستجمار، ثمَّ ينتقل إلى الصَّلاة فيناقش مسائل الإمامة والسُّجود وأماكن الصَّلاة وصلاة العيدين والنَّوافل وسجود السَّهو، ويعرض في الزَّكاة والحج أمثلة أخرى يرى أنَّ مذاهب الفقهاء أو الروايات المنقولة عنهم تمنع إطلاق الإجماع فيها.
ويمضي النَّقد إلى المعاملات والأحوال الشخصية وغيرها، فيعقِّب على مسائل أداء الدُّيون والنِّكاح والخطبة والطَّلاق والعِدَّة والقرض والوصايا، ثمَّ يتناول مسائل الجزية والجهاد والإمامة. وطريقته في ذلك هي مقابلة دعوى الاتفاق بنقل قول أو رواية أو وجه فقهي يخالفها، أو بيان أنَّ المسألة أضيق أو أوسع من العبارة التي صيغ بها الإجماع، وقد ينص أحيانًا على إمكان حمل كلام ابن حزم على معنى مخصوص يزول معه الاعتراض. وبذلك لا يتعامل مع الكتاب على أنَّ جميع ما فيه مردود، وإنما يفرِّق بين الإجماع الذي لا يعرف فيه نزاع وبين المواضع التي يرى أنَّ نقل الخلاف يمنع الجزم به.
ويلفت ابن تيميَّة أيضًا إلى مواضع يرى فيها تعارضًا بين ما أثبته ابن حزم في «مراتب الإجماع» وبين اختياراته في مؤلفاته الفقهيَّة الأخرى، فيستعمل ذلك لاختبار مدى انطباق معيار ابن حزم النظري على تطبيقاته. ومن أبرز ما يركِّز عليه أنَّ عدم بلوغ الخلاف للعالم قد يجعله يعتقد انعقاد إجماع لا يكون ثابتًا في الواقع، كما قد يخفى عليه إجماع صحيح؛ ولذلك يفرِّق بين خطأ العالم في معرفة الإجماع وبين تعمُّده مخالفة الحق، ويرفض تفسير اختلاف العلماء في دعاوى الإجماع بالعِناد لمجرد وقوع الخطأ فيها.
ويخصِّص ابن تيميَّة جانبًا من نقده لمسائل الاعتقاد التي ختم بها ابن حزم كتابه، فيناقش بعض دعاوى الاتفاق وتحديد مدلولها، ويتوسَّع في مسائل تتصل بخلق العالم وصفات الله تعالى وأفعاله وكلامه، مبيِّنًا أنَّ الخطأ قد يقع من جهة إدخال مسألة مختلف فيها ضمن الإجماع أو إخراج ما هو داخل فيه. ويربط ذلك بمشكلة أعم في نقل النُّصوص وفهمها؛ إذ قد ينشأ الخطأ من ضعف النقل، أو من إجمال اللفظ، أو من تفسير الكلام على غير مراده.
ويشكِّل الكتابان معًا بحثًا في مادَّة الإجماع وفي منهج إثباته ونقد نقله؛ فابن حزم يحاول حصر المسائل التي يعتقد تحقق الاتفاق فيها عبر أبواب العبادات والمعاملات والاعتقادات، مع اشتراط اليقين بانتفاء المخالف، بينما يختبر ابن تيميَّة هذه الدعاوى على ضوء ما نُقل من أقوال الفقهاء واختلاف مذاهبهم، ويبيِّن المواضع التي يرى أنَّ الخلاف المعروف يمنع إطلاق الإجماع عليها. ومن ثمَّ يجمع العمل بين سجل واسع لدعاوى الإجماع وبين مراجعة نقديَّة لحدود هذا الإجماع، وشروط معرفته، ودقَّة نسبته إلى علماء الإسلام.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:









