
نبذة عن الكتاب:
يجمع جلال الدِّين السُّيوطي في كتاب «الحاوي للفتاوي» طائفةً كبيرةً من فتاواه وأجوبته ورسائله العلميَّة في فنون متعدِّدة، منتقيًا منها المسائل المهمَّة والمشكلة التي رأى في تدوينها نفعًا، وتاركًا غالب المسائل الواضحة. ويقوم الكتاب في جانب كبير منه على سؤال يُطرح ثمَّ يتولَّى السُّيوطي تحرير محلِّه، وجمع أقوال العلماء فيه، ومناقشة وجوه الاستدلال، والترجيح بين الاحتمالات أو الأقوال، وقد تتَّسع المسألة حتى تصبح رسالةً مستقلَّة ذات فصول ومباحث وأدلَّة، ولذلك يجمع الكتاب بين صورة الفتوى المختصرة والبحث المطوَّل.
ويبدأ بالفتاوى الفقهيَّة مرتَّبةً على أبواب الفقه، فيتناول مسائل الطَّهارة والمياه والآنية والوضوء والغسل والنَّجاسات والتَّيمُّم والحيض، ثمَّ مسائل الصَّلاة والجماعة والجمعة والنَّوافل والجنائز والزَّكاة والصِّيام والحجِّ، ويتابع أبواب المعاملات والنِّكاح وغيرها من أبواب الأحكام. ولا تقتصر أجوبته على نقل الحكم، بل يعالج الإشكالات الواقعة بين عبارات كتب المذهب الشَّافعي، ويميِّز بين اختلاف الاصطلاح والعرف واللُّغة، ويجمع النُّقول عن الشَّافعي وأصحابه والمتأخِّرين، ويناقش الأوجه والتَّخريجات ويبيِّن ما يعدُّه أصحَّ أو أظهر. ومن ذلك تفصيله في أحكام الماء المتغيِّر، وستر العورة، ورطوبات البدن، وأحكام النَّجاسة، وما يتعلَّق بالدِّباغ والشَّعر والجلود، وغيرها من الجزئيَّات التي تحتاج إلى تحرير دقيق.
ويضمُّ القسم الفقهي كذلك رسائل مفردة نشأت عن أسئلة مخصوصة ثمَّ بسط السُّيوطي الكلام فيها، مثل بحثه في شعر السِّنجاب وشعر الميتة وعلاقته بالدِّباغ، ومسائل إدراك الجمعة وعدد من تنعقد بهم، وصلاة الضُّحى، وإتمام الصَّف، ولبس السَّواد، والخاتم، والتَّهنئة في المناسبات المختلفة. ويظهر في هذه الأبحاث اعتماده على استقراء نصوص كتب الفقه والحديث، ونقل مذاهب العلماء، وتمييز المنقول من التَّخريج، مع استعمال القواعد الفقهيَّة والأصوليَّة في توجيه الفروع وربط النَّظائر بعضها ببعض.
ويتناول في الفتاوى الأصوليَّة جملةً من القضايا المتَّصلة بفهم النُّصوص والاستدلال بها، فيبحث وجوه الدَّلالة وما يتعلَّق بالعموم والخصوص، والتَّعارض والتَّرجيح، ودلالة الألفاظ، والاستنباط، وما ينبني على اختلاف توجيه النَّصِّ من نتائج علميَّة. ويتداخل هذا الجانب الأصولي مع كثير من الفتاوى الأخرى؛ إذ لا يفصل السُّيوطي بين تحرير الحكم وتحرير مأخذه، بل يستدعي القاعدة الأصوليَّة أو اللُّغويَّة حين تكون مؤثِّرةً في فهم المسألة.
ويخصِّص للفتاوى القرآنيَّة قسمًا واسعًا يتتبَّع فيه أسئلةً تتعلَّق بآيات القرآن الكريم وسوره، فيبحث معاني الألفاظ والتَّراكيب، وأوجه التَّفسير، والمناسبات، وأسباب بعض التَّقديم والتَّأخير أو التَّكرار، وما يَرِد على الآيات من إشكالات في المعنى أو النَّظم. ويبدأ بمباحث تتعلَّق بسورة الفاتحة والاستعاذة، ثمَّ يمتدُّ إلى سور وآيات كثيرة، مستعينًا بأقوال المفسِّرين والقراءات والحديث واللُّغة والنَّحو وأصول التَّفسير، وقد يقارن بين آيات متشابهة في العبارة لبيان سبب اختلاف التَّعبير بينها، أو يجمع النُّصوص المتعلِّقة بمسألة واحدة للوصول إلى وجه يرفع الإشكال.
ويفرد للحديث وعلومه مجموعةً كبيرةً من الفتاوى والأجزاء، فيتتبَّع الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ويبحث طرقها وشواهدها وآثار الصَّحابة والتَّابعين المتعلِّقة بها، وينظر في ثبوتها ودلالتها، وقد يجمع ما ورد في موضوع بعينه من روايات قبل أن يناقش الحكم المستفاد منها. ومن مباحثه الكلام على أحاديث صلاة التَّراويح، والذِّكر والجهر به، والاسم الأعظم، والسُّبحة، وحديث الولي، وما ورد في المهدي، وما يتَّصل بأشراط السَّاعة وأخبار آخر الزَّمان، إلى جانب مسائل في الآداب والرَّقائق والفضائل. ويكشف هذا القسم عن عنايته بالتَّخريج وجمع الطُّرق ومقارنة الرِّوايات، وعدم الاقتصار على تداول الحديث أو اشتهاره في تقرير ثبوته.
ويتوسَّع في بعض القضايا الحديثيَّة والعقديَّة والتَّاريخيَّة حتى يجعلها رسائل قائمة بذاتها، فيجمع الأخبار والآثار، ويتكلَّم على رجال الأسانيد ومراتب بعض المرويَّات، ويوازن بين ما ورد في الباب من نصوص. ومن ذلك مباحثه في أخبار المهدي، وفي مدَّة هذه الأمَّة وما رُوي في ذلك، وفي مسائل متعلِّقة بعيسى عليه السَّلام، إلى جانب مناقشة أخبار وقصص اشتهرت في كتب التَّفسير والحديث والتَّاريخ، فيسعى إلى تمييز ما له أصل ممَّا لا يثبت عنده أو لا يجد له مستندًا معتبرًا.
ويضمُّ الكتاب أيضًا فتاوى تتعلَّق بالتَّصوُّف والزُّهد والسُّلوك، يناقش فيها مسائل الذِّكر وأحوال العباد ومصطلحات القوم وبعض الأخبار والأقوال المنسوبة إليهم. ويبحث في هذا السِّياق حديث «من عرف نفسه فقد عرف ربَّه»، وما ورد في الأبدال والأوتاد والنُّجباء والقطب، وغير ذلك من الموضوعات التي تجمع بين البحث الحديثي ومناقشة الاصطلاح الصُّوفي. ويعتمد في ذلك على تتبُّع المرويَّات والنُّقول، ويستدعي أحيانًا مباحث الاعتقاد واللُّغة والتَّفسير لفهم المراد من العبارات المتداولة.
ويعالج في الفتاوى النَّحويَّة وما ضُمَّ إليها أسئلةً في النَّحو والإعراب والتَّصريف واللُّغة، ويطبِّقها على آيات قرآنيَّة وأحاديث وأبيات من الشِّعر وتراكيب جرى السؤال عنها. فيبحث اختلاف وجوه الإعراب وما يترتَّب عليه من اختلاف المعنى، ويوجِّه استعمالات لغويَّة قد يُعترض عليها، ويستشهد بكلام العرب وأقوال أئمَّة النَّحو واللُّغة. وتندرج في هذا القسم رسائل وأجوبة خاصَّة في إعراب بعض العبارات، وفي تحقيق ألفاظ واستعمالات لغويَّة، فضلًا عن الألغاز والمسائل التي تقوم على دقَّة التَّركيب أو الاشتقاق والتَّصحيف والإبدال.
ويتَّسع «الحاوي للفتاوي» بذلك ليجاوز صورة الكتاب الفقهي المحض؛ إذ تتجاور فيه الفتوى الفقهيَّة مع البحث القرآني والحديثي والأصولي والنَّحوي واللُّغوي، وتدخل فيه مسائل الزُّهد والتَّصوُّف والتَّاريخ والأدب والألغاز. وتكشف طريقة السُّيوطي في هذه المواد عن عنايته بجمع النُّقول واستقصاء الشَّواهد، وعزو الأقوال إلى أصحابها، واستحضار نصوص المصنَّفات السَّابقة، ثمَّ ضمِّ المتفرِّق منها إلى المسألة المسؤول عنها، مع إضافة ما يظهر له من توجيه أو استنباط أو ترجيح، فتتفاوت أجوبته تبعًا لطبيعة السؤال من فتوى وجيزة إلى دراسة تجمع فروع المسألة وأدلَّتها وخلاف العلماء فيها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:








