
نبذة عن الكتاب:
يَجمع أبو بكر أحمد بن محمد الخلَّال في هذا الكتاب الروايات والمسائل المنقولة عن الإمام أحمد بن حنبل في أحكام الإنكار ومراتبه وضوابطه وصوره العمليَّة، ويضمُّ إليها آثارًا وأقوالًا عن عدد من السَّلف في الباب نفسه. وتأتي مادته في صورة أسئلة وأجوبة وروايات مسندة تكشف عن تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوقائع التي تعرض للناس، من غير اقتصار على بيان أصله العام؛ فيبحث وجوبه، والاستطاعة المعتبرة فيه، والخوف الذي يسوغ معه ترك الإنكار الظاهر، والانتقال عند العجز إلى إنكار القلب.
ويفصِّل الكتاب مراتب تغيير المنكر باليد واللِّسان والقلب، وينقل عن الإمام أحمد أنَّ الإنكار باليد لا يعني استعمال السَّيف والسِّلاح، بل يورد له صورًا عملية، منها التفريق بين المتخاصمين وإزالة بعض المنكرات عند القدرة. ويؤكِّد في الوقت نفسه اعتبار الاستطاعة والسلامة من الضرر؛ فمن خاف على نفسه انتقل إلى الإنكار بقلبه، ومن استطاع النهي من غير خوف أُمر بأن يقوم بما يقدر عليه. وتظهر في المسائل موازنة متكررة بين القيام بالواجب وبين تجنُّب تعريض النَّفس لما لا تطيق.
ويبرز الرِّفق بوصفه أصلًا متكررًا في طريقة الإنكار؛ فينقل الخلَّال عن الإمام أحمد الحث على المداراة واللِّين، ويورد من آثار السَّلف ما يشترط في الآمر والناهي العلم والعدل والرِّفق. ويتصل بذلك النهي عن أن يتحول الإنكار إلى غضب شخصي أو انتصار للنَّفس؛ فإذا قابل المنكَرُ عليه الناصحَ بالإساءة لم يكن المقصود أن يردَّ الإساءة بمثلها، بل يبقى قصده إزالة المنكر وأداء النَّصيحة. كما تعرض الروايات للنصيحة في السِّر، والتعريض عند الحاجة، واجتناب التبكيت والتأنيب الذي ينفِّر المخاطَب ولا يحقق المقصود.
ويتناول الخلَّال مسألة الاستعانة بالسُّلطان في الإنكار في مواضع متعددة، وينقل عن الإمام أحمد احتياطًا شديدًا فيها؛ لما قد يترتب على رفع صاحب المنكر إلى السُّلطة من حبس أو ضرب أو تجاوز يتعدى قدر ما يستحقه. ولهذا ترد أجوبة كثيرة بالاكتفاء بالنهي والموعظة وعدم رفع الأمر إلى السُّلطان، مع ذكر وقائع ترتب فيها على الحبس أو العقوبة أذى شديد. ويعرض الكتاب كذلك الإنكار على السُّلطان نفسه وما يحيط به من خوف، ويربط مقدار ما يقوم به الإنسان من الإنكار بما يملكه من قدرة وما يأمن معه من الضرر.
ثمَّ ينتقل إلى مسائل تفصيليَّة تصوِّر حضور هذا الأصل في الحياة اليوميَّة؛ فيبحث ما يصنعه الإنسان إذا رأى منكرًا كبيرًا يعجز عن تغييره ومنكرًا أصغر يقدر عليه، ووجوب العدل في الأمر والنهي مع القريب والبعيد، وحكم من يواجه قومًا من السفهاء يخشى أذاهم، ومن يسمع صوت المنكر من بعيد أو يعرف موضعه من غير أن يراه بعينه. كما يتناول الإنكار في مسائل تتصل بالصَّلاة، والعلاقات الأسريَّة، والحقوق الماليَّة والميراث، وما يراه المرء في منزل غيره أو في الطريق، وبعض صور اختلاط الرجال بالنِّساء، وأحوال الصبيان والفتيان وما يقع منهم من لعب أو أذى.
ويعرض الكتاب حدود التثبُّت من المنكر قبل تغييره، فيفرِّق بين ما عُلم وجوده وبين مجرد الظن والريبة، وينقل ما ينهى عن التجسُّس والتفتيش عما استتر عن الناس. وفي مقابل ذلك يذكر صورًا يُعرف فيها المنكر بعينه فيبحث حكم تغييره وإزالته، ولا سيَّما أواني المسكرات وما يُحمل منها في الأسواق. وتظهر في هذه المسائل عناية واضحة بالفرق بين المنكر الظاهر المعلوم وبين ما يحتاج الوصول إليه إلى كشف ستر أو تفتيش قائم على الشك.
ويخصِّص الخلَّال أبوابًا لعدد من المنكرات التي سُئل عنها الإمام أحمد، فيورد مسائل الطُّنبور والطَّبل والدُّفوف والشِّطرنج والغناء، وكيفية إنكارها وما يجوز من تغيير آلاتها عند القدرة، كما يتناول مسألة الضمان عند كسر ما عُدَّ من آلات المنكر. ويتسع البحث بعد ذلك لمسائل تتصل بالسماع وقراءة القرآن بالألحان، وما يقع لبعض الناس من البكاء أو السقوط عند سماع القرآن، فيجمع أقوال الإمام أحمد والروايات التي تتصل بهذه الأحوال ويعرضها ضمن منهجه القائم على نقل المسألة وجوابها وآثار من تقدَّم فيها.
ويضم الكتاب كذلك مسائل في الشِّعر؛ فيتناول كتابة البسملة أمامه، وحديث امتلاء الجوف بالشِّعر، وما يُكره من الهجاء والشِّعر الرقيق المتعلق بالتشبيب بالنِّساء، مع إيراد ما يدل على أنَّ الذم لا يتناول جنس الشِّعر كلَّه، وذكر الحديث الوارد في أنَّ من الشِّعر حكمة. وهكذا تتجاوز المادة الأحكام العامة للأمر والنهي إلى تطبيقاتها في السلوك والآداب والمجالس والأسواق وما يُسمع ويُرى من أفعال الناس.
ويأتي بعد ذلك «باب القراءة عند القبور» لأبي بكر الخلَّال، فيجمع فيه روايات تتصل بقراءة القرآن عند القبر. فيورد وصية العلاء بن اللَّجلاج بأن يُقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب وأول سورة البقرة وخاتمتها، وما نُقل في ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ثمَّ يذكر سؤال العباس الدُّوري للإمام أحمد عمَّا يحفظه في القراءة على القبور، وما أعقب ذلك من نقل الرواية إليه. كما يروي قصة إنكار الإمام أحمد أولًا على رجل كان يقرأ عند قبر، ثمَّ رجوعه عن الإنكار حين بلغه أثر ابن عمر رضي الله عنهما من طريق مبشِّر الحلبي، فأمر بأن يُقال للرجل أن يقرأ.
ويجمع الخلَّال في الباب نفسه آثارًا أخرى في المسألة؛ فينقل عن الشَّافعي أنَّه لا يرى بأسًا بالقراءة عند القبور، ويروي عن الشَّعبي أنَّ الأنصار كانوا يختلفون إلى قبر الميت فيقرؤون عنده القرآن، وينقل قولًا في جواز قراءة القرآن في المقابر. كما يورد أخبارًا في قراءة بعض السور عند القبور وإهداء ثوابها لأهل المقابر، فتأتي هذه المادة ملحقةً بمسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قائمةً هي الأخرى على جمع الروايات والآثار ونقل ما ورد عن الأئمة والسَّلف في المسألة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
