
نبذة عن الكتاب:
يَجْمَع عبد الرزَّاق بن همَّام الصَّنعاني في كتاب «تفسير القرآن» طائفةً واسعةً من المرويَّات في تفسير كتاب الله تعالى، مرتَّبةً على سُوَر القرآن وآياته، ومعتمدةً في معظمها على النَّقل بالإسناد عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين ومن بعدهم. ويبدأ بمرويَّات تتَّصل بجمع القرآن والنَّهي عن القول فيه بالرَّأي، ويورد تقسيم ابن عبَّاس رضي الله عنهما للتفسير إلى ما تعرفه العرب، وما يعلمه العلماء، وما لا يُعذر أحد بجهالته من الحلال والحرام، وما استأثر الله تعالى بعلم تأويله، ثمَّ ينتقل إلى تفسير الفاتحة فالبقرة وسائر السُّوَر بحسب ترتيبها.
ويغلب على الكتاب طابع التفسير بالمأثور؛ إذ يسوق عبد الرزَّاق أقوال من تقدَّمه بأسانيدها، ويكثر نقله عن مَعْمَر بن راشد، وعن قتادة ومجاهد والحسن البصري والزُّهري وابن أبي نجيح وغيرهم، كما يروي ما يُنسب إلى ابن عبَّاس وابن مسعود وغيرهما من الصَّحابة رضي الله عنهم، ويورد أحيانًا الحديث المرفوع إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم إذا تعلَّق بتفسير الآية أو بيان معناها. ولا يجعل الأصل في الكتاب إنشاء تفسير مطوَّل من عنده، بل حفظ الأقوال والرِّوايات ونقلها، وقد يجمع للآية الواحدة أكثر من تفسير إذا تعدَّدت الآثار الواردة فيها. ويظهر ذلك مثلًا في تفسير قوله تعالى عن موسى عليه السَّلام: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}، حيث يورد أقوالًا مختلفة في تحديد السِّن، من غير دمجها في قول واحد.
ويُفَسِّر ألفاظ القرآن وعباراته بما نُقِل عن السَّلف، فيورد المعنى المختصر للكلمة أو التَّركيب حين يكون المقصود بيان مدلوله؛ فيفسِّر «الرَّهَب» بالرُّعب، و«سواء السَّبيل» بقصد السَّبيل، ويشرح معنى {تَذُودَانِ} وما يتَّصل بالسِّياق الذي وردت فيه. وقد يجمع في الموضع الواحد أقوالًا متقاربة تكشف دلالة اللَّفظ من أكثر من جهة؛ ففي قوله تعالى عن أمِّ موسى عليه السَّلام: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} ينقل عن قتادة أنَّه لم يكن لها همٌّ غير موسى عليه السَّلام، وعن أبي عمران الجوني أنَّ قلبها فرغ من كلِّ شيء إلَّا من ذكره.
ويَسْتَوْعِب إلى جانب بيان الألفاظ ما رُوي في أسباب نزول الآيات والوقائع المتعلِّقة بها، وما يشرح الأمثال القرآنيَّة ويعيِّن المراد بأشخاصها وأحداثها. ففي أوائل سورة البقرة ينقل تفسير قتادة لأمثال المنافقين في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} وما بعدها، ويورد ما نُقل في سبب ذكر البعوضة في المثل، كما يسوق أخبار بني إسرائيل وقصَّة البقرة وتفاصيل عبور موسى عليه السَّلام وقومه البحر، وغيرها من الرِّوايات التي تُوَضِّح السِّياق القصصي للآيات.
ويُفَصِّل أحيانًا القصص القرآني من خلال الآثار المتتابعة، فيجمع أجزاء الخبر المروي عن السَّلف حول الآيات المتعاقبة. ففي سورة القصص يتتبَّع ما يتعلَّق بولادة موسى عليه السَّلام وأمِّه وأخته، وبلوغه أشدَّه، وقتله القبطي، وخروجه من مصر، ووصوله إلى مدين، ثمَّ يشرح ألفاظ القصة وتفاصيلها بحسب ما نُقِل عن قتادة ومجاهد والكلبي وغيرهم. وهكذا لا يقتصر التفسير على إعطاء معنى مفرد للآية، بل قد يتحوَّل مجموع المرويَّات إلى سياق يشرح أحداث القصَّة وتتابعها وما يتَّصل بشخصيَّاتها.
ويعرض الكتاب كذلك ما يتعلَّق بالأحكام والحلال والحرام والعبادات والمعاملات وغيرها من الدَّلالات الشَّرعيَّة للآيات، كما يورد ما نُقل في أخبار الأمم السَّابقة، والبعث والجنَّة والنَّار، والوعد والوعيد، وصفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، وآيات الخلق والقدر. وتأتي هذه المعاني في صورة الآثار المنقولة أكثر من مجيئها في صورة استنباطات فقهيَّة مطوَّلة؛ فعبد الرزَّاق يحفظ قول المفسِّر ومصدره في سلسلة الإسناد، ثمَّ ينتقل إلى الأثر الذي يليه، وهو ما يجعل الكتاب سجلًّا مبكِّرًا لأقوال السَّلف في معاني القرآن.
ويظهر تنوُّع المرويَّات أيضًا في إيراد أكثر من وجه للآية الواحدة؛ فقد ينقل قولًا عن قتادة ثمَّ يتبعه بقول لمجاهد أو الحسن أو غيرهما، سواء اتَّفقت الأقوال في أصل المعنى أو اختلفت في بعض تفصيلاته. ففي قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} يروي عن قتادة أنَّ ثمر الجنَّة يشبه ثمر الدُّنيا مع كونه أطيب، وعن الحسن أنَّ ثمارها يشبه بعضها بعضًا ولا رديء فيها، وعن مجاهد أنَّها متشابهة في اللَّون مختلفة في الطَّعم. وبذلك يحتفظ التفسير بتعدُّد المأثور بدل اختزاله في اختيار واحد.
ويتميَّز كتاب «تفسير القرآن» لعبد الرزاق في بنائه بكثافة الأسانيد وقِصَر كثير من الوحدات التفسيريَّة؛ فيُذْكَر الإسناد ثمَّ الآية أو الجزء المراد تفسيره، يعقبه القول المنقول مباشرةً، وقد تطول الرِّواية حين يتعلَّق الأمر بقصَّة أو خبر. ومن ثَمَّ يجمع الكتاب بين التفسير اللُّغوي المختصر، والمرويَّات المرفوعة، وأقوال الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، وأخبار أسباب النُّزول والقصص والأحكام، محافظًا على الصِّيغة الرِّوائيَّة التي تجعل الإسناد جزءًا أساسيًّا من مادَّته التفسيريَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:












