
نبذة عن الكتاب:
يتيح «البواكير»، الذي جمعه ورتبه مجاهد مأمون ديرانية من مقالات جده علي الطنطاوي، متابعة السنوات التي تكوّن فيها صوت الطنطاوي الصحفي والأدبي؛ فالمقالات تبدأ وهو في 20 من عمره وتنتهي وهو في 26، وقد كتبت جميعها في زمن الانتداب الفرنسي على الشام. ولم يرتبها الجامع بحسب الموضوع أو الصحيفة، بل بحسب تاريخ النشر، مثبتًا في صدر كل مقالة موضع نشرها وزمانه، لتصبح المجموعة سجلًا زمنيًا لمرحلة مبكرة من حياة الكاتب بقدر ما هي كتاب مقالات. ويظهر منذ الصفحات الأولى اجتماع عناصر ستبقى حاضرة في الكتاب كله: الحماسة الإسلامية، والاعتزاز بالعربية، ومقاومة الاستعمار، والغيرة على استقلال الأمة، مع حدة الشاب وجرأته في النقد. فتبدأ المادة بخواطر قصيرة عن الأمة والقوة والحرية والرجولة، ثم تكشف «خواطر غريب» غربته في مصر وحنينه الشديد إلى دمشق وقاسيون وبردى، قبل أن ينتقل إلى الشأن العام في «طلاب دمشق» فيشيد بوحدة الطلاب ومقاومة العبث بالتعليم وتشجيع الصناعة الوطنية، وفي «في ذكرى مولد فخر الكائنات» يجعل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصلًا لتحول البشرية وبناء الحضارة الإسلامية. ثم تشتد النبرة السياسية في «ألا ليشهد العالم كله!» دفاعًا عن المسجد الأقصى في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين، وتتحول سلسلة «اسمعوا يا عباد الله» إلى حكايات رمزية تسخر من حال البلاد الإسلامية تحت السيطرة الأجنبية، ومن المسلم الذي يحتفظ باسم الإسلام من غير أن يعرف أحكامه، ومن التعليم الذي يقطع الناشئة عن لغتها وشريعتها؛ ثم تأتي «أنا ونفسي» أقرب إلى المناجاة الداخلية، حيث لا تجد النفس سكينتها إلا حين يصلها الأذان بالصلاة، بينما تجمع «على قارعة الطريق» بين المشهد القصصي والغضب من المأساة الفلسطينية. ويستعمل الطنطاوي الخيال نفسه في «دمشق بعد تسعين عامًا»، فيتصور دمشق سنة 2019 وقد غلب عليها النفوذ الأجنبي، وضعفت العربية والدين والصناعة المحلية وتبدلت أنماط الرجال والنساء، لا ليصف مستقبلًا يتنبأ به، بل ليحذر من النهاية التي يمكن أن تقود إليها بدايات التقليد والضعف التي يراها في زمنه. وفي «الحركة الفكرية في الشام» يرفض طرفي التقليد: الذوبان الكامل في أوروبا ورفض كل ما جاء منها، ويدعو إلى أخذ العلم والنافع مع إبقاء الدين واللغة أساسًا لشخصية الأمة.
وتتشعب المقالات اللاحقة بين العقيدة والتعليم والأدب والسياسة والأخلاق والنقد الاجتماعي، لكنها تعود مرارًا إلى سؤال واحد: كيف تبنى أمة مستقلة من غير أن تفقد دينها ولغتها وأخلاقها؟ ففي «لماذا أنا مسلم؟» ومواد جمعية «الهداية الإسلامية» ومجلة «البعث» تظهر الدعوة الدينية صريحة، وفي مقالات المقاطعة والاستقلال والزعامة والطلاب يناقش وسائل التحرر والعمل الوطني، ويرفض اختزال الوطنية في المظاهرات والهتاف والانتماء الحزبي، ويجعل التدريس والتعلم والتجارة والصناعة وخدمة الإنسان لموقعه من صميم العمل للوطن. وفي اللغة يهاجم طرائق تدريس النحو القائمة على حفظ التعريفات، ويطالب بتعليم العربية تعليمًا تطبيقيًا يمكّن الطالب من القراءة والكتابة، ويرى ضياع اللغة تهديدًا مباشرًا لكيان الأمة. كما يخوض في وظيفة الأدب نفسه؛ ففي «الأدب القومي» يرفض انصراف الكاتب إلى الرومانسية الباكية و«الفن للفن» بينما أمته في صراع من أجل الحرية، ويطلب أدبًا يحمل تاريخ الأمة وآلامها وآمالها، ويجعل «الفن للحياة» و«الواجب» بديلين من الانغلاق في العاطفة الفردية. وتدخل السخرية بقوة في معالجة السلوك الاجتماعي؛ فـ«عند الحلاق» ينتقد تشبه بعض الشبان بالنساء، و«ورقة الخمسين» تحول العملة إلى شخصية تروي في قصة رمزية أثر الاستعمار والتبعية وتقليد الغرب، بينما تعود «أبناؤنا وتاريخنا» إلى التعليم، فتقابل بين طفل يعرف الحثيين ونابليون ولويس الرابع عشر ولا يعرف أبا بكر رضي الله عنه أو القادسية واليرموك، لتبين اختلال ترتيب المعرفة التاريخية في المدرسة. وقبيل النهاية تتحول القضية من نقد المؤسسات إلى امتحان الكاتب نفسه في «الراتب، أم الواجب؟»، حيث يصور صراعه بين وظيفة يعيل بها أسرته وبين واجب القلم في قول ما يراه حقًا في الدين والوطن، ثم تأتي آخر مقالة «رسالة الطالب» من تجربته في الحجاز، فينقل إلى الطلاب هناك رسالة إخوانهم في الشام القائمة على وحدة الدين واللغة والذكريات والأماني، ويلخصها في القوة، وسمو النفس، والإخلاص للعلم، والوفاء للعروبة، والثبات على الإسلام؛ وبذلك تنتهي مقالات الشاب عند المعاني نفسها التي صاحبت بداياته، ولكن بعد أن اتسعت من الانفعال الوطني المباشر إلى رؤية تربوية وأدبية واجتماعية أشمل.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:




