
نبذة عن الكتاب:
يميّز أبو شامة المقدسي في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» بين ما يستند من الأقوال والأفعال إلى أصل شرعي، وما أُحدث في الدين من غير مستند صحيح، جاعلًا الرجوع إلى كتاب الله تعالى وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من الصدر الأول ميزانًا لما يُقبل أو يُرد. وقد صرّح بأن غرضه التحذير من البدع، وأن من الأسباب المباشرة لتأليفه النزاع الذي وقع في عصره حول صلاة الرغائب، فضم إلى بحثها الكلام على حوادث أخرى رأى أنها تجري مجراها. ويبدأ بجمع النصوص والآثار الآمرة بالاتباع والمحذرة من محدثات الأمور، ثم يجعل إنكار المنكر وإحياء السنن وإماتة البدع من مقتضيات اتباع السنة، قبل أن يبحث معنى البدعة وأصلها اللغوي والشرعي. ولا يسوي بين كل أمر حادث؛ بل يقسم الحوادث إلى بدع مستحسنة وأخرى مستقبحة، مستندًا إلى ما ينقله عن الشافعي في التفريق بين المحدث الموافق للكتاب والسنة والإجماع والأثر والمحدث المخالف لها. فيدخل في القسم الأول ما استحدث من وجوه البر الموافقة لقواعد الشريعة، كبناء المدارس والربط والتصنيف في العلوم النافعة، ويذكر في هذا السياق ما كان يقع في إربل من الصدقات والمعروف وإظهار السرور في اليوم الموافق لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يجعل البدع المستقبحة ما خالف الشريعة أو لزم من فعله مخالفتها، وهي عنده متفاوتة بين التحريم والكراهة بحسب حالها. ويخص بعنايته النوع الذي يلتبس على الناس فيُظن عبادةً وقربة، مع أن الشرع لم يطلبه بتلك الصفة أو في ذلك الزمان أو المكان؛ فالعبادة المشروعة في أصلها قد تصبح ممنوعة أو مكروهة إذا خُصصت بوقت أو هيئة أو مكان بغير دليل، ولذلك يكرر أن مجرد كون الفعل من جنس الطاعات لا يكفي للحكم بمشروعيته، بل لا بد من مراعاة سببه ووقته وصفته وما ورد فيه.
ويطبّق أبو شامة هذا الأصل على طائفة واسعة من الممارسات التي كانت شائعة في عصره؛ فيناقش اجتماع الناس عشية عرفة في غير عرفة على هيئة تشبه موقف الحجيج، ويفرق بين الدعاء والذكر في أنفسهما وبين تحويلهما إلى شعار مخصوص يوهم العامة أنه من سنن اليوم. ويتوسع في صلاة «الألفية» ليلة النصف من شعبان وصلاة الرغائب في رجب، فيتتبع الأخبار التي رويت في صفتهما وفضلهما، وينقل أحكام المحدثين على طرقها، ويرى أن تخصيص هاتين الليلتين بصلوات ذات عدد وهيئة وثواب مقدر لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ينتقد ما اقترن بهما من الوقيد والاجتماعات واتخاذهما موسمين ظاهرين. ومع ذلك يفرق في ليلة النصف من شعبان بين إثبات فضل لها على وجه عام وبين اختراع صلاة مخصوصة لها، فينص على أن ما ورد في فضلها لا يتضمن تشريع تلك الصلاة المعينة. ثم ينقل فتوى ابن الصلاح في صلاة الرغائب، ويعرض إنكار العز بن عبد السلام لها وما احتج به، ويبحث الفرق بين صلاة الرغائب وبين مطلق التطوع، ويقرر أن محل الإنكار هو تخصيص العبادة بصورة وشعار يوهمان ثبوت سنة خاصة لا أصل لها، لا أصل الصلاة النافلة من حيث هي صلاة. ويضم إلى ذلك نقد أحاديث في فضل رجب وصلاة التسبيح، والتنبيه على خطر رواية الأخبار المنكرة في فضائل الأعمال من غير بيان حالها، ثم يتناول مظاهر أخرى؛ كالتماوت المصطنع في المشي والكلام طلبًا لهيئة النسك، وتخصيص بعض الليالي بالإحياء والوقيد، وبعض المحدثات في قيام رمضان وقراءة سور أو آيات مخصوصة على هيئة راتبة، وما أحدثه بعض الخطباء والمؤذنين، وبدع الجنائز ومناسك الحج. ويختم ببحث ما يراه من بدع الجمعة، ولا سيما اعتقاد صلاة مخصوصة راتبة قبلها، مفرقًا مرة أخرى بين جواز مطلق التنفل قبل خروج الإمام وبين اعتقاد سنة محددة للجمعة قبلها. وبهذا يجمع الكتاب بين التأصيل لمعنى البدعة وضابطها، وفحص الأحاديث والآثار التي تُبنى عليها الممارسات، والنظر في الهيئة والزمان والمكان وما تحدثه المداومة والشهرة من إيهام المشروعية، ثم تنزيل ذلك على حوادث دينية واجتماعية عاصرها المؤلف ورأى وجوب إنكارها أو تصحيح صورتها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














