
نبذة عن الكتاب:
يَنْتَصِر تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة في هذا الكتاب لطريقة السَّلف وأهل الحديث في الاعتقاد، ويجيب عن المفاضلة بينها وبين طرائق المتأخِّرين، وعن دعوى أنَّ علومًا حادثةً بعد عصر الصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم جعلت أصحابها أعلم بالعقائد منهم، ثمَّ يبحث في القسم الأخير من الكتاب دعوى وجوب تعلُّم المنطق وكونه فرض كفاية. ولذلك لا يتمحَّض الكتاب لنقد المنطق؛ بل يغلب عليه تقرير منهج أهل الأثر في باب أسماء الله تعالى وصفاته، والدِّفاع عنهم، ونقد مناهج مخالفيهم، ولا يأتي الكلام على المنطق إلَّا في الجزء الأخير منه.
ويؤسِّس ابن تيميَّة جوابه على وجوب اتِّباع سبيل المؤمنين من الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين لهم بإحسان، ويجعل طريقتهم في أسماء الله تعالى وصفاته قائمةً على الإيمان بما ورد في الكتاب والسُّنَّة من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير تحريف لمعاني النُّصوص أو تشبيه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين. ويستدلُّ على ثبوت هذا المنهج بنقول عن السَّلف والأئمَّة وبكلام العلماء الذين حكوا مذهبهم، ويُقَرِّر أنَّ طريقتهم ليست أسلم فحسب، بل هي أحكم وأعلم؛ لأنَّها تجمع صحَّة المنقول وسلامة المعقول، ولا تجعل بين الوحي والعقل الصَّريح تعارضًا يحتاج إلى صرف النُّصوص عن دلالاتها.
ويُفَصِّل في فضل أهل الحديث ومكانتهم بين طوائف المسلمين، ويستقرئ أحوال الأئمَّة والمذاهب ليثبت أنَّ مقدار ما يُحمد به العالم أو الطَّائفة من العلم والدِّين تابع لمقدار قربهم من الحديث والسُّنَّة واتِّباعهم لهما. ويستحضر في ذلك نماذج من الفقهاء والمتكلِّمين والمتصوِّفة وغيرهم، فلا يجعل الانتساب إلى طائفة بعينها وحده معيارًا للفضل، بل يزن الأشخاص والأقوال بقدر موافقتها لما جاء به الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولا يعصم كلَّ من انتسب إلى الحديث والسُّنَّة من الخطأ، بل يُقَرِّر أنَّ في بعض المنتسبين إليهما من يحتجُّ بأحاديث موضوعة وآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة، أو يذكر من القرآن والحديث ما لا يفهم معناه، وربَّما وضع النَّصَّ في غير موضعه أو حمله على غير دلالته. غير أنَّه يوازن بين هذه الأخطاء وما وقع فيه أهل الكلام والمنطق من حدود وأقيسة ودعاوى يَعُدُّها أشدَّ فسادًا وأعظم أثرًا في الخطأ والضَّلال، فيجمع بذلك بين الدِّفاع عن أهل الأثر ونقد ما يقع فيه بعض المنتسبين إليهم.
ويواجه وصف أهل الحديث بالحشو والجهل، ويقلب هذا الاعتراض على الفلاسفة والمتكلِّمين من جهة ما يراه في مذاهبهم من القول بغير علم وتكذيب الحقِّ والاضطراب في الأصول والدَّلائل. ويستدلُّ على ذلك بكثرة الشَّكِّ والحيرة في كلام أعيانهم، وتبدُّل مواقفهم وانتقالهم من قول إلى نقيضه، وبما وقع لبعضهم من الرُّجوع عن طرائق الكلام أو التَّحذير منها، ويقابل هذا بثبات علماء السُّنَّة على أصول اعتقادهم وصبرهم عليها مع ما تعرَّضوا له من المحن.
ويجمع طرق الخارجين عن سبيل السَّلف في فهم نصوص الوحي في ثلاثة مسالك: التخييل، والتأويل، والتجهيل. فيجعل التخييل طريق الفلاسفة والباطنيَّة الذين يُقَرِّرون أنَّ الرُّسل عليهم السَّلام خاطبوا الجمهور بصور وتمثيلات لا تطابق حقيقة الأمر في نفسِه، وأنَّ من خصائص النُّبوَّة عندهم تخييل المعاني للجمهور بما يناسب قدرتهم على الفهم. ويرفض هذا المسلك لما يتضمَّنه من جعل خبر الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في أبواب الاعتقاد مخالفًا للحقيقة التي يعرفها خواصُّ الفلاسفة.
ويجعل التأويل طريق طوائف من المتكلِّمين الذين يُقِرُّون بثبوت النُّصوص ثمَّ يصرفونها عن معانيها الظَّاهرة بدعوى قيام الدَّليل العقلي على امتناعها، ويناقش الأصول العقليَّة التي بُني عليها هذا الصَّرف، ويُقَرِّر أنَّ كثيرًا من التَّأويلات إنَّما نشأت من مقدِّمات كلاميَّة وفلسفيَّة جُعلت حاكمةً على الوحي. أمَّا طريق التجهيل فيتناول به من ينتسبون إلى السَّلف مع قولهم إنَّ معاني نصوص الصِّفات غير معلومة للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم، فيردُّ هذا المسلك ويُفَرِّق بين العلم بمعاني النُّصوص والعلم بكيفيَّات ما أخبرت به؛ فجهل الكيفيَّة لا يقتضي الجهل بالمعنى.
ويتتبَّع نشأة الأقوال الكلاميَّة والفلسفيَّة وتطوُّرها، ويستعين بالتَّاريخ في تقويم المذاهب وتمييز ما كان معروفًا لدى السَّلف ممَّا نشأ بعد ترجمة كتب الأمم والفلاسفة. ويعرض نماذج من اضطراب المتكلِّمين في مسائل الصِّفات وغيرها، ويستشهد بأقوال الغزالي والرَّازي وابن سينا والفارابي والباقلاني والأشعري وغيرهم، ويقارن بين ما انتهوا إليه في بعض كتبهم وبين ما قرَّروه في مواضع أخرى، ليجعل هذا الاضطراب شاهدًا على ضعف الطَّريق الذي قدَّموه على طريقة أهل الحديث.
ويحرِّر الألفاظ المجملة التي دار حولها النِّزاع، ولا يقبل الحكم بها قبل معرفة معناها وما يراد منها، وبخاصَّة ألفاظ التَّشبيه والتَّجسيم والحشو ونحوها. وفي هذا السِّياق يناقش كلامًا للعزِّ بن عبد السَّلام يطعن فيه على مثبتة الصِّفات ويتَّهم بعضهم بالتَّستُّر بمذهب السَّلف مع الوقوع في التَّشبيه والتَّجسيم، فيميِّز ابن تيميَّة ما في هذا الكلام من حقٍّ ممَّا فيه من باطل، ويمنع أن يُجعل إثبات ما أثبته الوحي من الصِّفات تشبيهًا بمجرَّد الاشتراك في الاسم أو أصل المعنى.
ويناقش كذلك اعتراضًا منقولًا عن أبي الفرج ابن الجوزي في ذمِّ طائفة من الحنابلة في باب الصِّفات، ويفصل بين مذهب الإمام أحمد وأئمَّة أصحابه وبين أخطاء أفراد قد ينتسبون إلى مذهبه، ويرفض أن تُنسب أخطاء بعض المنتسبين إلى إمام أو طائفة بأسرها. ويؤكِّد في أثناء ذلك أنَّ المناظرة لا تنفع إلَّا مع العلم والعدل والإنصاف، وأنَّ الشَّتم والتَّهْويل لا يقومان مقام الحجَّة، حتَّى في مناظرة المخالفين من أهل الكتاب والمشركين.
ويجعل الجمع بين العدل مع المخالف والانتصار للحقِّ أصلًا ظاهرًا في مناقشاته؛ فيثني على ما عند بعض مخالفيه من علم أو فضل مع ردِّ ما يراه خطأً في أقوالهم، كما يذكر محاسن بعض المتكلِّمين مع نقد أصولهم. ويستند في حجاجه بكثرة إلى القرآن الكريم والأحاديث الصَّحيحة، وإلى آثار السَّلف وأقوال أئمَّة المذاهب، ويستعمل المعقول في تأييد ما دلَّ عليه الوحي وفي كشف التَّناقض الذي يراه في حجج خصومه، لا بوصفه أصلًا مستقلًّا يُعارض به النَّصُّ.
وينتقل في القسم الأخير إلى المنطق اليوناني بسبب السُّؤال عن قول من جعله فرض كفاية، فيرفض هذه الدَّعوى، ويستدلُّ باستغناء الأنبياء عليهم السَّلام وأتباعهم وأئمَّة القرون الأولى وسائر أهل العلوم عن هذه الصِّناعة، وبأنَّ العلوم والمعارف الصَّحيحة كانت حاصلةً قبل ترجمة كتب المنطق. ويُنَبِّه إلى أنَّ أئمَّة الطِّبِّ والحساب وغيرهما يدركون حقائق علومهم من غير تكلُّف الحدود المنطقيَّة المركَّبة من الجنس والفصل، وأنَّ وجود المعرفة لا يتوقَّف على الصِّياغة الاصطلاحيَّة التي وضعها المناطقة.
ويبدأ نقده للمنطق بمبحث الحدود، فيعارض دعوى أنَّ التَّصوُّرات لا تحصل إلَّا بالحدود المنطقيَّة، ويُبَيِّن أنَّ الإنسان يعرف كثيرًا من الأشياء بالحسِّ والخبرة والاستعمال واللُّغة والتَّمثيل وسائر طرق المعرفة من غير حدٍّ جامع مانع على اصطلاح المناطقة. ويرى أنَّ كثيرًا من الحدود لا يمنح معرفةً جديدةً بحقيقة المحدود، بل قد يكون أعرف منه أو مساويًا له في الخفاء، وأنَّ تكلُّف الحدود لا يُعَدُّ شرطًا لتحصيل العلوم.
ثمَّ يبحث القسم الآخر من المنطق المتعلِّق بالأقيسة، ويعرض تقسيم المناطقة للقياس إلى البرهاني والجدلي والخطابي والشِّعري والمغالطي، ويناقش دعواهم في البرهان وما جعلوه طريقًا إلى اليقين. ويُقَرِّر أنَّ صور الاستدلال الصَّحيحة ليست مختصَّةً بالقالب المنطقي الذي وضعوه، وأنَّ المواد التي يقع بها العلم واليقين لا يختصُّ المناطقة بمعرفتها، كما يفرِّق بين ما في المنطق من معانٍ صحيحة تشترك فيها العقول وما أضيف إليها من دعاوى وقواعد يراها فاسدةً أو غير نافعة.
ولا يقصد ابن تيميَّة في هذا الكتاب استقصاء نقض المنطق؛ بل يصرِّح مرارًا بأنَّ بسط فساده وتفصيل الاعتراض على قضاياه قد تناوله في مواضع أخرى، ويقتصر هنا على ما يتَّصل بأصل السُّؤال: إبطال دعوى أنَّ المنطق شرط للعلم أو فرض على المسلمين، وبيان أنَّ السَّلف وأهل الحديث لم يفتهم من العلم واليقين شيء لعدم اشتغالهم به. ومن ثمَّ يلتقي القسم العقدي والقسم المنطقي في غرض واحد هو ردُّ دعوى تفوُّق طرائق المتأخِّرين على سبيل السَّلف، وإثبات أنَّ ما جاء به الوحي وما تلقَّاه الصَّحابة رضي الله عنهم وأئمَّة القرون الأولى كافٍ في تحصيل الهدى والعلم، مع استعمال العقل الصَّحيح في فهمه والاستدلال له من غير إخضاعه لأصول كلاميَّة أو منطقيَّة حادثة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:


