
نبذة عن الكتاب:
يَجمع الإمام محمد بن إدريس الشَّافعي في كتاب «الأم» أصول مذهبه الفقهي وتفريعاته في أبواب العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء وغيرها، عارضًا الأحكام مقرونةً بأدلَّتها ومناقشًا وجوه الاستدلال والخلاف فيها. ويقوم بناؤه على الرجوع إلى القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة، وما يثبت عنده من الآثار، ثمَّ النظر في دلالات النُّصوص والجمع بينها والقياس عليها، ولذلك لا يقتصر على ذكر الحكم الفقهي، بل يبيِّن مأخذه وطريق الاستنباط الذي أدَّى إليه، ويعقد مسائل كثيرة في صورة سؤال واعتراض وجواب تكشف عن طريقته في النظر والترجيح.
ويبدأ الشَّافعي بأبواب الطهارة، فيتناول أحكام المياه والنجاسات والآنية والوضوء والغسل والتيمم والحيض، ثمَّ ينتقل إلى الصَّلاة وما يتصل بأوقاتها وأذانها وإقامتها وشروطها وصفة أدائها والقراءة والركوع والسجود والإمامة والجماعة، ويتناول صلاة الخوف والكسوف والعيدين والجنازة وغيرها. ويظهر منهجه منذ هذه الأبواب في البدء بالنَّص القرآني عند وجوده، ثمَّ إيراد الأحاديث والآثار المتصلة بالمسألة، والنظر في ألفاظها ودلالاتها، والتمييز بين ما جاء تعبُّدًا محضًا وما يمكن إلحاق غيره به عن طريق القياس.
ويفصِّل بعد ذلك أحكام الزَّكاة في المواشي والزروع والثمار والذهب والفضة والمعادن وغيرها، ومقادير الأنصبة وأوقات الوجوب وكيفية إخراج الحق ومصارفه وتقسيمه، كما يبحث زكاة الفطر وما يتصل بها. ثمَّ يعرض مسائل الصِّيام من دخول شهر رمضان والخروج منه وأحكام المفطرات والقضاء والكفارات، ويتناول الاعتكاف، قبل أن ينتقل إلى الحج والعمرة فيبحث الاستطاعة والمواقيت والإحرام والتلبية والطواف والسعي والوقوف بعرفة والهدي والإحصار وجزاء الصيد وسائر أعمال النُّسك وأحكامها.
ويمتد الكتاب إلى الحلال والحرام في الصيد والذبائح والأطعمة والنذور والأيمان، ثمَّ يتوسَّع في فقه الأموال والمعاملات؛ فيبحث البيوع وما يجوز منها وما يمنع، والرِّبا والصرف وبيع الثمار والخيار والسَّلم وما تضبط به صفات المسلم فيه، والرهن والحجر والتفليس والشُّفعة واللقطة وغيرها. ويكثر في هذه المسائل من بناء الفروع على الأصول الجامعة، والنظر في أثر الجهالة والغرر والرضا والقبض والملك والشروط في صحة العقود وفسادها، مع بيان الفروق بين الصور المتشابهة وردِّ كلِّ فرع إلى المعنى الذي يحكمه.
ويتناول الشَّافعي كذلك الفرائض والوصايا والهبات والصدقات والعتق والولاء والمكاتبة، فيفصِّل أنصبة الورثة وما يعرض لمسائل الميراث من اختلاف، ويبحث حدود الوصية ونفاذها والرجوع فيها وعلاقتها بحقوق الورثة والدائنين. ويعرض أحكام الرقيق وطرق العتق والمكاتبة وما يترتب عليها من حقوق مالية وولاء، ويوازن في مواضع الخلاف بين الآثار والأقوال، فيصرِّح بما يأخذ به وما يدعه، ويذكر العلَّة التي بنى عليها اختياره.
ويخصِّص جانبًا واسعًا لأحكام الأسرة، فيبحث النكاح وشروطه والولاية والصداق والرضاع والنفقات والقَسْم بين الزوجات وما يحلُّ ويحرم في العلاقة الزوجية، ثمَّ يعرض الطلاق والرجعة والخلع والظهار والإيلاء واللعان والعدد وما يتفرع عنها من مسائل. ولا تُعرض هذه الأحكام منفصلةً عن أدلَّتها؛ إذ يردُّ الشَّافعي الفروع إلى الآيات والأحاديث والآثار ذات الصلة، ويناقش اختلاف دلالاتها وتطبيقها على الوقائع، ويستعمل القياس حيث لا يجد نصًّا خاصًّا بالمسألة مع وجود أصل يمكن ردُّها إليه.
ويبحث في أبواب الجنايات أحكام القتل العمد والخطأ والجراح والقصاص والدِّيات والقسامة والحدود، وما يثبت به الحق وما يسقطه من عفو أو شبهة أو غير ذلك، ثمَّ ينتقل إلى القضاء والدعاوى والبينات والشهادات والأيمان، فيبيِّن شروط القاضي والشاهد، وطرق إثبات الحقوق، وأحكام الإقرار والدعوى واليمين والشاهد، وكيفية الفصل عند تعارض أقوال الخصوم. وتتجلَّى في هذه الأبواب عناية الشَّافعي بضبط القواعد التي تمنع انتقال الأموال أو ثبوت العقوبات والحقوق إلا بحجَّة معتبرة.
ولا ينفصل الفقه في «الأم» عن مناقشة الخلاف؛ فالشَّافعي يورد في مواضع كثيرة أقوال من سبقه أو عاصره من أهل العلم، ويختبرها بالكتاب والسُّنَّة والآثار والقياس، وقد يحاور القول المخالف عن طريق افتراض سؤال صاحبه ثمَّ الإجابة عنه. ويستعمل هذا الأسلوب لإظهار موضع الاتفاق وموضع النزاع، والكشف عن لازم القول، وبيان الفرق بين المسائل التي قد تبدو متماثلة، كما يراجع الأسانيد ودلالات الأخبار ويصرِّح أحيانًا بعدم معرفته لبعض رجال الإسناد أو بعدم ثبوت بعض ما رُوي، فلا يبني موقفه على مجرَّد وجود الخبر في الرواية.
وتظهر في الكتاب إلى جانب الفروع الفقهيَّة مباحث تكشف عن أصول الاستدلال عند الشَّافعي، ولا سيَّما حجِّيَّة خبر الواحد، ووجوب قبول السُّنَّة الثابتة، وحدود القياس، وطريقة التعامل مع اختلاف الأخبار، وموقفه من الاستحسان. ويؤكِّد في «إبطال الاستحسان» أنَّ الحكم لا يُنشأ بمجرد ما يستحسنه المجتهد من غير أصل ملزم، وإنما يُطلب من الكتاب والسُّنَّة وما يتفرع عنهما بطريق معتبر. ولهذا تتداخل في «الأم» صناعة الفقه مع أصوله؛ فالقارئ لا يقف على اختيارات الشَّافعي فحسب، بل يشاهد كيفية تكوين الحكم من دليله، وطريق الجمع بين النُّصوص، والانتقال من الأصل إلى الفرع، ومناقشة الاعتراضات الواردة عليه.
ويقدِّم «الأم» بذلك بناءً فقهيًّا واسعًا تتجاور فيه نصوص القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وآثار الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم مع استنباط الشَّافعي ومناقشاته الفقهيَّة. وتبرز مادته طريقة الإمام في وصل الأحكام الجزئية بأصولها، والتمييز بين موضع النَّص وموضع القياس، وبين ما ثبت عنده من الخبر وما لم يثبت، وبين الحكم المنصوص عليه وما يلحق به لمعنى جامع، مع تطبيق هذا المنهج على طائفة واسعة من مسائل العبادات والأموال والأسرة والجنايات والقضاء وسائر أبواب الفقه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
