
نبذة عن الكتاب:
يتتبَّع عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة الشَّواهد الحديثيَّة التي أوردها ابن مالك في كتابه «شواهد التَّوضيح والتَّصحيح لمشكلات الجامع الصَّحيح»، فيعيِّن مواضعها في مصادر الحديث، ويقابل ألفاظها بما ورد في تلك المصادر، وينبِّه على ما يختلف منها عن اللَّفظ الذي نقله ابن مالك. ثمَّ يراجع تعليقات محمَّد فؤاد عبد الباقي على الكتاب، فيستدرك تخريجات فاتته، ويصحِّح إحالات وألفاظًا وأسماءً ومواضع من «صحيح البخاري» وغيره. وتنقسم الرِّسالة إلى تخريج الأحاديث الموجودة في «صحيح البخاري»، ثمَّ الأحاديث المخرَّجة من غيره، ثمَّ تتمَّات وملاحظات على تعليقات محمَّد فؤاد عبد الباقي.
ويبدأ المعلِّمي بأحاديث «شواهد التَّوضيح» التي لها مواضع في «صحيح البخاري»، فيرتِّبها بحسب مواضع ورودها في كتاب ابن مالك، ويذكر طرف الشَّاهد، ثمَّ يعيِّن الكتاب والباب الذي يوجد فيه الحديث من «الصَّحيح». فتتوزَّع إحالاته على أبواب بدء الوحي والإيمان والعلم والصَّلاة والجهاد والحج والمغازي والجنائز والبيوع والتَّفسير وغيرها، ويبلغ تعداد هذا القسم 254 شاهدًا، ممَّا يجعل عمله فهرسةً حديثيَّةً للشَّواهد النَّحويَّة التي استعملها ابن مالك، مع ربط كلِّ شاهد بأصله الحديثيِّ.
ولا يكتفي المعلِّمي بتعيين موضع الحديث إذا كان بين لفظ ابن مالك ولفظ «صحيح البخاري» اختلاف، بل ينصُّ على الفروق التي تؤثِّر في معرفة الشَّاهد أو نسبته. ومن ذلك تنبيهه إلى أنَّ قولًا نسبه ابن مالك إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو في المعروف من رواية ابن مسعود رضي الله عنه، وتصحيحه نسبة قول «أقرأنيها» من ابن مسعود رضي الله عنه إلى أبي الدَّرداء رضي الله عنه. كما يقارن بعض الألفاظ بنسخ «الصَّحيح» ورواياته المختلفة، ويبيِّن أحيانًا أنَّ اللَّفظ الذي استشهد به ابن مالك لا يوجد في الموضع المحال عليه بهذه الصِّيغة.
ويستعمل المعلِّمي لفظ «انظر» في بعض الإحالات للدَّلالة على وجود اختلاف يسير بين لفظ الحديث في المصدر ولفظه في «شواهد التَّوضيح»، مع بقاء الشَّاهد الذي قصده ابن مالك صحيح الدَّلالة. ولا يجزم بأنَّ اختلاف اللَّفظ ناشئ دائمًا عن خطأ في النَّقل، بل يحتمل أن يكون اللَّفظ الذي ذكره ابن مالك موجودًا في بعض نسخ «صحيح البخاري»، وهو ما يراعي به اختلاف الرِّوايات والنُّسخ عند الحكم على نصوص الشَّواهد.
وعندما لا يجد المعلِّمي الحديث في «صحيح البخاري» باللَّفظ المذكور، يصرِّح بذلك ويبحث عن أصله أو نظيره في غيره. فقد يثبت أصل الحديث في «الصَّحيح» دون اللَّفظ المستشهد به، أو يجده في «صحيح مسلم» أو «سنن أبي داود» أو «سنن النَّسائي» أو «سنن ابن ماجه» أو «مسند أحمد» وغيرها. ويظهر هذا التَّحرِّي في مواضع يفرِّق فيها بين ثبوت أصل الخبر وثبوت لفظ الشَّاهد نفسه، فلا يسوِّي بين مجرَّد وجود الحديث وبين وجود العبارة التي بنى عليها ابن مالك استدلاله النَّحويَّ.
ويفرد المعلِّمي قسمًا للأحاديث التي ليست من «صحيح البخاري»، فيتتبَّعها في مصادر أخرى، ويذكر ما وقف عليه من مواضعها. فترد الإحالة إلى «مسند أحمد» و«سنن البيهقي» وغيرها، مع التَّنبيه أحيانًا إلى أنَّ ابن مالك نسب الحديث إلى مصدر لم يقف المعلِّمي فيه على اللَّفظ نفسه، أو أنَّه لم يجده في غير الكتاب الذي نقله ابن مالك. ويظلُّ مدار البحث هنا على توثيق نصِّ الشَّاهد نفسه؛ لأنَّ الغرض ليس جمع طرق الحديث على الإطلاق، بل معرفة أصل العبارة التي استند إليها ابن مالك في تقرير مسألة لغويَّة أو نحويَّة.
وتكشف بعض التَّخريجات عن عناية المعلِّمي بالفروق الدَّقيقة بين ألفاظ الرِّوايات؛ ففي حديث الحبل الممدود مثلًا يثبت لفظ «فإذا حبل ممدود» في «صحيح البخاري»، ويقابله بما في «صحيح مسلم» من «دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المسجد، وحبل ممدود». وفي مواضع أخرى يذكر أنَّ لفظ ابن مالك ليس هو اللَّفظ الموجود في «الصَّحيح»، أو يعيِّن روايةً في مصدر آخر أقرب إلى صيغة الشَّاهد. وبهذا تصبح المقابلة بين الألفاظ جزءًا من التَّخريج نفسه، لا مجرَّد إحالة إلى اسم الكتاب ورقم الموضع.
وتتَّصل بهذه المقابلة مراجعة نسبة الأقوال إلى قائليها؛ فالمعلِّمي ينبِّه مثلًا إلى أنَّ كلمةً عزاها السِّياق إلى بعض الصَّحابة رضي الله عنهم هي من كلام الأزرق بن قيس، وهو تابعيٌّ، ويصحِّح في موضع آخر اسم الصَّحابيِّ المنقول عنه الشَّاهد. كما يستدرك سقطًا في اسم سراقة بن مالك بن جعشم رضي الله عنه، ويلاحظ ما يقع في أسماء الرُّواة أو أصحاب الأقوال من اختصار أو تحريف يغيِّر النِّسبة.
أما القسم المتعلِّق بطبعة محمَّد فؤاد عبد الباقي فيخصِّصه المعلِّمي لتتميم تعليقات المحقِّق وتصحيحها. فإذا ذكر عبد الباقي أنَّه لم يقف على حديث، عيَّن المعلِّمي موضعه إن وجده، كما أحال في أحد المواضع إلى «مسند الإمام أحمد»، وصحَّح في موضع آخر رقم الحديث والباب المحال عليه من «صحيح البخاري». وتتناول هذه الملاحظات أيضًا أخطاءً نصيَّة، مثل تصحيح «في» إلى «مِن»، إلى جانب تصويب الأرقام والإحالات إلى الكتب والأبواب.
ويصحِّح المعلِّمي كذلك مواضع تكون الإحالة فيها صحيحةً من حيث أصل الحديث ولكنَّ موضعًا آخر في المصدر أدقُّ في مطابقة لفظ ابن مالك. ففي حديث المواقيت مثلًا يرى أنَّ الإحالة إلى باب بعينه أولى لأنَّ لفظه يوافق الشَّاهد، وفي غيره يضيف موضعًا آخر للحديث أو يبيِّن أنَّ اللَّفظ في الباب المحال عليه مختلف. وتظهر من هذه الملاحظات عنايته بأن تكون الإحالة نافعةً في مراجعة الشَّاهد نفسه، لا أن تقتصر على إثبات وجود أصل الحديث في الكتاب.
وتبرز في الرِّسالة أيضًا الإفادة من تعدُّد طبعات «شواهد التَّوضيح» في مراجعة النَّصِّ والتَّخريج؛ فقد أثبت المعلِّمي أرقام الصَّفحات والأسطر من الطَّبعة الهنديَّة، ثمَّ أضاف لاحقًا أرقام مواضع من طبعة محمَّد فؤاد عبد الباقي، واستدرك منها أحاديث وإحالات لم تكن مثبتةً في عمله الأوَّل. ولذلك تظهر في تخريجاته إضافات وتصحيحات لاحقة لبعض المواضع، مع المحافظة على التَّمييز بين موضع الشَّاهد في الكتاب وبين موضع أصله في كتب الحديث.
ويُظهر مجموع التَّخريجات أنَّ المعلِّمي يتعامل مع الحديث في «شواهد التَّوضيح» من جهة مخصوصة تتَّصل بوظيفته شاهدًا لغويًّا ونحويًّا؛ فيتحقَّق من وجود العبارة، وصاحبها، وصيغتها، ومصدرها، وموضعها، ويلاحظ الفروق التي قد تمسُّ وجه الاستشهاد. ولهذا يجمع عمله بين تخريج الشَّواهد من دواوين الحديث ومقابلة ألفاظها وتصحيح نسبتها واستدراك ما فات في التَّعليقات المطبوعة، مع إبقاء الصِّلة واضحةً بين النَّصِّ الذي استشهد به ابن مالك وبين الرِّواية التي يمكن الرجوع إليها في مصدرها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
