
نبذة عن الكتاب:
يتعقَّب عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني مواضع متفرِّقة من كتاب «سبل السلام» لمحمَّد بن إسماعيل الأمير الصَّنعاني، فيصحِّح أخطاء في النَّصِّ، ويناقش أوهامًا في ضبط الألفاظ وإعرابها وتفسيرها، ثمَّ يعلِّق على عدد من المسائل الحديثيَّة واللُّغويَّة والفقهيَّة التي عرض لها الصَّنعاني في شرحه. وتنقسم الرِّسالة إلى ثلاثة أقسام ظاهرة: أخطاء تصحيحيَّة ونحوها، وأوهام للشارح تتعلَّق بضبط بعض الكلمات أو إعرابها أو تفسيرها، وتعليقات تتجاوز التَّصحيح اللَّفظي إلى مناقشة الأقوال والأدلَّة.
ويبدأ المعلِّمي بتصحيح طائفة من الألفاظ والعبارات التي وقع فيها التَّحريف أو السَّقط أو الخطأ، فيثبت مثلًا «الشرع» بدل «الشرح»، و«خلفه» بدل «خلقه»، و«من قتيبة بن سعيد» بدل «من سعيد»، و«الأئمَّة السِّتَّة» بدل «أئمَّة السُّنَّة»، كما يصحِّح أسماء مواضع ورواة وألفاظًا لغويَّة وضبط كلمات في الأحاديث. ولا يقتصر في بعض المواضع على إثبات الصَّواب، بل يبيِّن منشأ الخطأ بمقارنة النُّسخ أو الرُّجوع إلى كتب اللُّغة والحديث والمصادر التي نُقلت منها العبارة.
ويفرد القسم الثَّاني للأوهام المتعلِّقة بفهم الألفاظ والتَّراكيب. فمن ذلك اعتراضه على إعراب أسماء أصحاب الكتب السَّبعة في عبارة «فالمراد بالسَّبعة أحمد والبخاري...» بدلًا من لفظ «السَّبعة»، إذ يرى أنَّ «أحمد» وما عطف عليه خبر لا بدل. كما يناقش تفسير «الطَّهور» في حديث ماء البحر، ويرفض بناء المعنى على كونه مصدرًا بمعنى التَّطهير، ويرجِّح حمله على وصف المبالغة بمعنى بالغ الطُّهر، ويستدلُّ لذلك بصحَّة وقوعه نعتًا في الاستعمال القرآني وبمناسبة هذا المعنى للحديث.
ويبحث المعلِّمي بعض التَّوجيهات النَّحويَّة للأحاديث، ومنها الكلام على «ثمَّ» في النَّهي عن البول في الماء الدَّائم ثمَّ الاغتسال فيه. فيردُّ دعوى أنَّ من أجاز رفع الفعل بعد «ثمَّ» جعله معطوفًا على الفعل المنهيِّ عنه، ويذكر إمكان حمل «ثمَّ» على الاستئناف، ثمَّ يرجِّح احتمال كونها عاطفةً على فعل محذوف دلَّ عليه السِّياق، أو حمل الكلام على تقدير الاستفهام. ويستعين في ذلك بما تقرَّر في كتب النَّحو وبنظائر من الحديث، فلا يجعل اختلاف الإعراب منفصلًا عن المعنى الذي يترتَّب عليه.
أما الألفاظ التي يراجع ضبطها ومعناها، فمنها «الأعراب»، إذ يقيِّدها ببدو العرب خاصَّةً مع إلحاق من كان معهم من مواليهم، خلافًا لجعلها شاملةً لسكان البادية من العرب والعجم. ويتتبَّع كذلك ما وقع في تفسير «البهيمة»، فيكشف أنَّ لفظ «البهيمة» تحرَّف في نسخة الشَّارح عن «البَهْمة»، وأنَّ الأخيرة هي التي تطلق على أولاد الضَّأن، ويستند إلى نسخ «القاموس» وسياقه وكتب اللُّغة. ويصحِّح ضبط «سَنِخة» بكسر النُّون، و«سلسلة» بكسر السِّينين اعتمادًا على كتب اللُّغة والنُّسخ المعتمدة من الحديث.
وينتقل في قسم التَّعليقات إلى مسائل تتَّصل بمقدِّمة «سبل السلام» ومصطلحاتها؛ فيناقش ترتيب الصَّنعاني لوجوه افتتاح الكلام بالثَّناء، ويبيِّن دلالة قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} على عموم النِّعمة، ويميِّز بين إحساس الإنسان بالنَّفع وبين تقدُّم أسبابه. كما يناقش تعريف النَّبيِّ والرَّسول، فلا يرتضي جعل الرِّسالة متوقِّفةً على شريعة مجدَّدة، ولا ما يفضي إلى نفي وجوب تبليغ النَّبيِّ لأهله، ويرى أنَّ الرَّسول يتميَّز بالأمر بالتَّجرُّد لدعوة قومه وملاحقتهم ومناظرتهم، مع كون النَّبيِّ مأمورًا بإرشاد أهله ومن يتيسَّر له.
ويصحِّح كذلك بعض الأحكام المتعلِّقة بكتب الحديث ومصطلحاتها؛ فيعترض على إطلاق القول بأنَّ الإمام أحمد لم يُدخل في «المسند» إلا ما يُحتجُّ به، لأنَّ فيه أحاديث لم يعمل بها الإمام أحمد نفسه، ومنها ما نصَّ على ضعفه وما تدلُّ القرائن على ضعفه، مع تقريره أنَّ ذلك قليل بالنِّسبة إلى ما فيه من الصَّحيح والحسن. ويتناول أيضًا اختلاف النَّقل في مكان تأليف الإمام البخاري «الصَّحيح»، ويحيل إلى جمع ابن حجر بين الأخبار، ثمَّ يشرح حقيقة تراجم الأبواب باعتبارها أسماءً للكلام المسوق تحتها وما يترتَّب على ذلك في تفسير استعارة لفظ «الباب».
وتشغل أحكام المياه والطَّهارة جانبًا مهمًّا من التَّعليقات الفقهيَّة؛ فيبحث دلالة حديث صبِّ ذَنوب من ماء على بول الأعرابي، ويستدلُّ بأحاديث غسل الإناء من ولوغ الكلب ونضح بول الصَّبي وغسل دم الحيض والاستنجاء على إمكان تطهير المتنجِّس بالماء القليل. ثمَّ يعرض جواب القائلين بحديث القلَّتين عن هذه النُّصوص، ويفرِّق بين وقوع النَّجاسة في الماء ابتداءً وبين إيراد الماء على المتنجِّس بقصد تطهيره، ويرى أنَّ التَّفريق بالورود أقرب؛ لما فيه من الجمع بين النُّصوص ودفع المشقَّة.
ويدافع المعلِّمي عن الاحتجاج بحديث القلَّتين، فيذكر تصحيح عدد من أئمَّة الحديث له واحتجاج الشَّافعي وأحمد وإسحاق به، وينفي أن يكون في سنده أو متنه اضطراب قادح. كما يرفض دعوى إجماله بسبب عدم تعيين مقدار القلَّة على وجه لا اختلاف فيه، ويرى أنَّ ما تيقَّن دخوله فيما دون القلَّتين أو فوقهما يبقى واضح الحكم، وأنَّ الاختلاف في بعض المقادير والمعايير لا يقدح في أصل الأحكام المرتبطة بها، كما وقع في الدِّرهم والمثقال والصَّاع.
وعند حديث النَّهي عن البول في الماء الدَّائم يتمسَّك المعلِّمي بظاهر النَّهي في التَّحريم وبعموم وصف الماء الذي لا يجري، ويحذِّر من تعليل النَّصِّ بعلَّة مستنبطة تؤدِّي إلى هدم ظاهره. ويذكر إمكان تعليل الحكم بالتَّأدية إلى تنجيس الماء أو تقذيره وإيذاء من يستعمله، بل يجيز الاستئناس بما يذكره الأطبَّاء من احتمال انتقال المرض بواسطة الماء محافظةً على دلالة النَّصِّ الشَّرعي. ويستثني البحر ونحوه ممَّا خرج عن هذا الحكم بالإجماع إذا لم يُعدَّ جاريًا أو في معناه.
ويناقش في مسألة ولوغ الكلب الجمع بين روايات غسل الإناء، ولا يقبل وصف تأويل النَّووي بأنَّه محاماة عن المذهب؛ لأنَّ النَّووي عُرف عنده بمخالفة المذهب عند قيام الدَّليل. ويوازن بين رواية أبي هريرة رضي الله عنه في الغسل سبع مرَّات أولاهنَّ بالتُّراب، وما ورد في حديث عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه من التَّعفير في الثَّامنة، ويرى أنَّ الجمع بين الأدلَّة قد يستلزم صرف إحدى الدِّلالات عن ظاهرها الجزئيِّ، لأنَّ النَّظر إلى مجموع النُّصوص هو الذي يحدِّد المعنى الذي ينبغي المصير إليه.
ويعترض أيضًا على حصر النَّهي عن أواني الذَّهب والفضَّة في الأكل والشُّرب؛ فيستدلُّ بروايات صحيحة ورد فيها النَّهي عن الآنية بإطلاق، ومنها أحاديث حذيفة والبراء رضي الله عنهما، ويرى أنَّ ذكر الأكل والشُّرب في بعض الطُّرق لا يقيِّد الرِّوايات العامَّة. ويقارن ذلك بمسلك الصَّنعاني نفسه في موضع آخر، حيث لم يجعل رواية «وجعلت تربتها طهورًا» مقيِّدةً للرِّواية المطلقة «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فيلزمه إجراء الأصل نفسه هنا.
ويطبِّق المعلِّمي قواعد الجمع بين الأدلَّة والتَّخصيص والنَّسخ في آخر ما حُفظ من تعليقاته؛ فعند مناقشة القول بأنَّ بعض الأحاديث خصَّصت عموم آية من سورة الأنعام، ينبِّه إلى أنَّ الأحاديث مؤرَّخة بيوم خيبر، بينما نزلت الآية قبل ذلك وعُمل بعمومها. ولذلك لا يجعل الخاصَّ المتأخِّر عن وقت الحاجة مخصِّصًا للعامِّ، بل يذكر أنَّه قد يكون ناسخًا للحصَّة التي تناولها من العموم، مستشهدًا بما قرَّره ابن حجر في الجمع بين آية الأنعام وخبر التَّحريم المتأخِّر عنها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
