
علاء الدين المرداوي
علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي، ثم الصالحي الحنبلي، علاء الدين أبو الحسن: فقيه وأصولي ومحدث ومقرئ من كبار علماء الحنابلة، عُرف بالمرداوي، ولقبه المتأخرون بالقاضي والمنقح، وسموه «المجتهد في تصحيح المذهب» لما قام به من تحرير المذهب الحنبلي وتنقيحه. وُلد سنة 817هـ الموافق 1414م بقرية مردا قرب نابلس في فلسطين، وذكر السخاوي أنه ولد قريبًا من سنة 820هـ.
نشأ في مردا، فحفظ القرآن الكريم، واشتغل بالعلوم الشرعية، فأخذ الفقه عن شهاب الدين أحمد بن يوسف المرداوي، وتعلم الفقه والعربية والحساب والفرائض والأصول والتفسير وعلوم الحديث. ثم خرج من بلدته شابًا، فأقام بالخليل في زاوية الشيخ عمر المجرد، وقرأ بها القرآن، ثم قدم دمشق قرابة سنة 838هـ، ونزل بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية، وجود القرآن، وقيل إنه قرأه بالروايات، وقرأ «المقنع» تصحيحًا على أبي الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم الطرابلسي، وحفظه وحفظ ألفية ابن مالك، وأقبل على العلم مع ما كان يلاقيه من الفاقة وقلة ذات اليد.
لازم تقي الدين ابن قندس، وكان جل انتفاعه به، فأخذ عنه الفقه وأصوله والعربية، وقرأ عليه «المقنع» بحثًا وتحقيقًا، ومختصر الطوفي في الأصول، وألفية ابن مالك. وأخذ الفقه والنحو عن عبد الرحمن أبي شعر، وسمع منه تفسير البغوي مرارًا، وأخذ علوم الحديث عن ابن ناصر الدين الدمشقي، وقرأ الأصول على أبي القاسم النويري حين لقيه بمكة، ولازم محمد بن إبراهيم السيلي أكثر من عشر سنين، وأخذ عنه الفرائض والحساب والوصايا وقرأ عليه «المقنع» كاملًا بحثًا. كما أخذ العربية والصرف عن عيسى البغدادي الفلوجي والحسن بن إبراهيم الصفدي، وقرأ «صحيح البخاري» وغيره على محمد بن أحمد الكركي الحنبلي، وسمع من زين الدين بن الطحان وشهاب الدين بن عبد الهادي وغيرهما.
حج مرتين وجاور بمكة في كلتيهما، وسمع هناك من أبي الفتح المراغي، وأخذ عنه في مجاورته الثانية قاضي الحرمين محيي الدين الحسني الفاسي. وحضر دروس برهان الدين ابن مفلح وناب عنه. ثم قدم القاهرة، فأكرمه قاضيها عز الدين الكناني، وأذن له في سماع الدعوى مدة إقامته بها، وحث أصحابه على الأخذ عنه وتحصيل كتابه «الإنصاف» وغيره من مصنفاته. وقرأ المرداوي في القاهرة على تقي الدين الشمني وتقي الدين الحصني، وأخذ شيئًا من الفرائض والحساب عن شهاب الدين السجيني.
تصدّر للإقراء والإفتاء والتأليف، وباشر نيابة الحكم مدة طويلة، وانتفع به عدد كبير من العلماء والفقهاء، وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي في عصره. ومن تلاميذه محمد بن أحمد الموصلي المعروف بابن جناق، ومحمد بن محمد الجعفري قاضي القدس والرملة، ويوسف الكفرسبي، ومحمد بن أحمد بن عبد العزيز المرداوي، ومحيي الدين عبد القادر الفاسي قاضي الحرمين، وأبو بكر العجلوني، وعبد الكريم بن ظهيرة المكي، وبدر الدين السعدي قاضي الديار المصرية، ويوسف بن عبد الهادي المعروف بابن المبرد، وشهاب الدين العسكري، وأحمد بن علي الشيشيني، وعبد الوهاب الطرابلسي، وموسى بن أحمد الكناني، وأحمد بن يحيى بن عطوة فقيه نجد وغيرهم.
كان شديد العناية بجمع الكتب، وكانت تحت يده خزانة كتب الوقف بمدرسة الشيخ أبي عمر، وأعانه ما اجتمع لديه من الكتب المملوكة والموقوفة على تحرير مصنفاته. وعُرف بحفظ فروع المذهب وتحقيقها، وبالعناية بأصول الفقه والحديث والعربية والفرائض، وكان كثير الاشتغال والتعليم، متعففًا ورعًا متواضعًا، لا يأنف من الرجوع إلى الصواب إذا بُيّن له، كثير الصدقة وتفقد الإخوان، حسن المعاشرة، وتجنب في أواخر عمره مباشرة القضاء.
من أشهر مؤلفاته «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل»، صنفه تصحيحًا وشرحًا لـ«المقنع»، وذكر فيه أقوال المذهب وعزاها إلى كتب الحنابلة، وفرغ منه سنة 867هـ، ثم عرضه في القاهرة على عز الدين الكناني فأثنى عليه وأمر الحنابلة بمصر بكتابته ونشره. واختصره بعد ذلك في «التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع»، وفرغ منه سنة 872هـ، وظل يحرره ويزيد فيه وينقص حتى وفاته.
وله أيضًا «الدر المنتقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع»، المعروف بـ«تصحيح الفروع»، واختصار لكتاب «الفروع» مع زيادات، و«تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول»، الذي ذكر فيه مذاهب الأئمة الأربعة وقدم الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وفرغ منه سنة 877هـ، وشرحه في «التحبير في شرح التحرير»، وله شرح قطعة من مختصر الطوفي، و«فهرسة القواعد الأصولية»، و«الكنوز» أو «الحصون المعدة الواقية من كل شدة» في الأدعية والأوراد، و«المنهل العذب الغزير في مولد الهادي البشير النذير»، و«شرح الآداب».
ظل قوله معتمدًا في تحرير المذهب والفتوى عند المتأخرين، ووصفه تلاميذه ومن ترجم له بشيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه. وتوفي في منزله بصالحية دمشق يوم الجمعة 6 جمادى الأولى سنة 885هـ الموافق 1480م، وصُلي عليه في الجامع المظفري بعد صلاة الظهر، ودُفن بسفح قاسيون قرب الروضة في أرض اشتراها بماله.
كتب علاء الدين المرداوي PDF
