محمد سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني، المعروف بسعيد الأفغاني: نحوي وباحث وأديب سوري، وأستاذ جامعي، عُرف بعنايته الواسعة بعلوم العربية وتاريخ النحو وتحقيق التراث. وُلد بدمشق سنة 1327هـ الموافق 1909م، وكان والده قد قدم إلى بلاد الشام مهاجرًا من كشمير ثم استقر بدمشق وتزوج امرأة دمشقية. توفيت والدته وهو في نحو الثالثة من عمره، فتولى والده تربيته هو وأخته.
نشأ سعيد الأفغاني في دمشق، وكان والده يصطحبه إلى الجامع الأموي، فحضر حلقات العلم ولازم دروس حسين التونسي وأحمد النويلاتي، وأفاد منهما في علوم العربية والتفسير. وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس دمشق، ومن بينها مكتب عنبر ودار المعلمين، وتخرج سنة 1928م، ثم التحق بمدرسة الآداب العليا في الجامعة السورية، وأخذ فيها عن عدد من العلماء والأدباء، منهم سليم الجندي وعبد القادر المبارك وعبد القادر المغربي وعلي الجزائري، وتخرج سنة 1932م.
بدأ عمله في التعليم سنة 1928م معلمًا في بلدة منين بريف دمشق، ثم تنقل في عدد من مدارس دمشق، واستقر مدرسًا في مدرسة التجهيز الأولى. ولما أنشئت كلية الآداب في الجامعة السورية عُيّن فيها أستاذًا مساعدًا، ثم تدرج في وظائفها حتى أصبح أستاذًا، وتولى رئاسة قسم اللغة العربية سنة 1958م، ثم عمادة كلية الآداب من سنة 1961م إلى سنة 1963م، وعاد بعد ذلك إلى رئاسة القسم والتدريس فيه حتى أُحيل إلى التقاعد في نهاية سنة 1968م.
أُوفد سنة 1946م إلى القاهرة للتحضير للدكتوراه، وسجل موضوعًا بعنوان «أدب الشام السياسي في العصر الأموي»، إلا أنه لم يتم العمل فيه، وعاد إلى دمشق متفرغًا للتدريس والبحث. وبعد تقاعده درّس في الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية بين سنتي 1968 و1971م، ثم عمل في الجامعة الليبية ببنغازي عدة سنوات أستاذًا ورئيسًا لقسم اللغة العربية، ودرّس بعد ذلك في الجامعة الأردنية، ثم في جامعة الملك سعود بالرياض سنة 1984م، قبل أن يعود إلى دمشق.
عُني الأفغاني بالنحو وأصوله وتاريخه، وبقضايا العربية المعاصرة، وكان من أبرز ما ألّفه في هذا المجال «في أصول النحو»، وتناول فيه الإجماع والقياس والاشتقاق والخلاف، و«من تاريخ النحو»، و«الموجز في قواعد اللغة العربية وشواهدها»، و«مذكرات في قواعد اللغة العربية»، و«تعاليق على شواهد الموجز»، و«من حاضر اللغة العربية»، و«نظرات في اللغة عند ابن حزم». وكان يميل في كتبه التعليمية إلى التركيز والوضوح والابتعاد عن كثرة الاعتراضات والتفريعات.
وله مؤلفات في الأدب والتاريخ والدراسات الإسلامية، منها «أسواق العرب في الجاهلية والإسلام»، و«الإسلام والمرأة»، و«عائشة والسياسة»، و«ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة»، و«معاوية في الأساطير». وكانت له عناية خاصة بابن حزم وبالسيدة عائشة رضي الله عنها، فكتب عنهما وحقق عددًا من النصوص المتصلة بهما.
وعُني بتحقيق التراث، فمن تحقيقاته «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» للزركشي، و«الإغراب في جدل الإعراب» و«لمع الأدلة» لابن الأنباري، و«تاريخ داريا» لعبد الجبار الخولاني، و«الإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب» للفارقي، و«حجة القراءات» لابن زنجلة، و«ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل» لابن حزم. كما نشر ترجمة عائشة رضي الله عنها وترجمة ابن حزم من «سير أعلام النبلاء» للذهبي، وشارك في مراجعة تحقيق «مغني اللبيب» لابن هشام، وله تقرير في «أغلاط المنجد والمنجد الأبجدي».
انتُخب عضوًا مؤازرًا في المجمع العلمي العراقي سنة 1960م، ثم عضوًا مراسلًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1970م، وشارك في مؤتمراته وبحوثه، ثم انتخب عضوًا عاملًا في مجمع القاهرة سنة 1991م، خلفًا للدكتور حسني سبح. ونشر عددًا من البحوث والمقالات في مجلة المجمع بالقاهرة وغيرها، منها «الاحتجاج للقراءات»، و«جهود المجمع العلمي الأول في خدمة العربية في الشام»، و«من قصة العامية في الشام»، و«معاني القرآن للأخفش الأوسط: تعريف ونقد»، و«لغة الخبر الصحفي»، و«مزاعم الصعوبة في لغتنا»، و«كلمة إلا في القرآن الكريم».
كان حريصًا على سلامة العربية، شديد العناية بالتدريس وتربية الطلاب على البحث والرجوع إلى المصادر، وعُرف بالجد في التعليم والصراحة في إبداء رأيه والابتعاد عن طلب الشهرة. وقد تخرج به أجيال من الباحثين وطلاب العربية في عدد من الجامعات العربية.
عاد في أواخر حياته إلى دمشق، ثم انتقل إلى مكة المكرمة حيث كانت ابنته مقيمة، وأقام بها حتى توفي في 11 شوال سنة 1417هـ الموافق 18 فبراير 1997م، ودُفن في مقبرة المعلاة.