محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الراميني ثم الصالحي، أبو عبد الله شمس الدين: فقيه حنبلي، من كبار علماء المذهب في عصره. وُلد في حدود سنة 710هـ، ونشأ في بيت المقدس، ثم أقام بصالحية دمشق، وعُرف بسعة العلم بمذهب الإمام أحمد، حتى قال ابن القيم فيه: «ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح».
سمع من عيسى المطعِّم والحجار وغيرهما، ولازم القاضي شمس الدين ابن مسلم، وقرأ عليه الفقه والنحو، وأخذ الأصول عن القاضي برهان الدين الزرعي، وكان يتردد إلى ابن الفُويرة والقحفاوي في العربية، وإلى المزي والذهبي، ونقل عنهما كثيرًا، وكانا يعظمانه. كما حضر عند شيخ الإسلام ابن تيمية ونقل عنه كثيرًا، وكان من أعرف الناس بمسائله واختياراته، حتى إن ابن القيم كان يراجعه في ذلك.
وبرع ابن مفلح في الفقه، ولا سيما فروع المذهب الحنبلي ونقول الإمام أحمد. ووصفه ابن كثير بأنه فاضل متفنن، ولا سيما في علم الفروع، وبالغ في معرفته بنقل المذهب. وذكر الذهبي أنه كان دَيِّنًا عالمًا، له نظر في رجال السنن، وأنه سمع وكتب وناظر. كما عُرف بكثرة المحفوظات، ومن ذلك حفظه «المنتقى في الأحكام»، وقد عرضه في مدة قريبة من 4 أشهر.
تولى التدريس في المدرسة الصاحبية، ومدرسة الشيخ أبي عمر، والسلامية، وأعاد بالصدرية ودار الحديث. وناب في الحكم عن قاضي القضاة جمال الدين المرداوي، وتزوج ابنته، ورُزق منها عددًا من الأبناء والبنات. ووُصفت سيرته في القضاء بالعفة والصيانة والورع.
ترك ابن مفلح عددًا من المصنفات المهمة في الفقه والأصول والآداب، وفي مقدمتها كتاب «الفروع»، الذي جمع فيه مسائل المذهب وفروعه ونقول علمائه، واشتهر بين الحنابلة وعُدَّ من كتبهم الجامعة. وله «النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر»، وحاشية على «المقنع»، وذُكر أن له شرحًا كبيرًا على «المقنع» بلغ نحو 30 مجلدًا، وشرحًا أو تعليقًا على «المنتقى» في مجلدين.
وله كتاب في أصول الفقه، سار فيه على طريقة مختصر ابن الحاجب، وجمع فيه نقولًا وفوائد متعددة. ومن أشهر كتبه أيضًا «الآداب الشرعية والمنح المرعية»، المعروف بـ«الآداب الشرعية الكبرى»، وجمع فيه طائفة واسعة من مسائل الآداب والأخلاق والأحكام، مع نقل كثير من كتب الحنابلة المتقدمين، ومنها مصنفات لم تصل كاملة إلى المتأخرين.
ويظهر في «الآداب الشرعية» اتساع اطلاعه على كتب الحديث والفقه، وكثرة نقله عن الإمام أحمد وأصحابه ومن جاء بعدهم، مع الاستفادة من دواوين السنة المشهورة، والكلام أحيانًا على أحوال بعض الأحاديث ورجالها، وشرح المفردات واستنباط الأحكام ومناقشة الأقوال. كما حفظ الكتاب نصوصًا من مؤلفات حنبلية كبيرة، مثل «الفنون» لابن عقيل، و«الرعاية الكبرى» لابن حمدان، و«المستوعب» للسامري.
توفي ابن مفلح ليلة الخميس 2 رجب سنة 763هـ في منزله بالصالحية بدمشق، وصُلي عليه بعد الظهر في الجامع المظفري، وشهد جنازته القضاة والأعيان، ثم دُفن بالروضة بالقرب من قبر موفق الدين ابن قدامة. واختلفت المصادر في مقدار عمره عند الوفاة، فقيل: كان في بضع وخمسين سنة، وقيل: توفي عن 50 سنة، وقيل: عن 51 سنة.