
أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي
أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي التلمساني ثمَّ الفاسي: فقيه مالكي ومفتٍ، من أبرز علماء المغرب في القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجريين، عُرِفَ بسعة اطِّلاعه في مذهب الإمام مالك وبعنايته بالقواعد الفقهية والفتاوى والوثائق. وُلِدَ في جبال الونشريس نحو سنة 834هـ الموافق 1431م، ونشأ بمدينة تلمسان.
تلقَّى العلم في تلمسان على عدد من كبار فقهائها وعلمائها، وفي مقدِّمتهم أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني، وابنه أبو سالم إبراهيم العقباني، ومحمد بن العباس التلمساني، ومحمد بن عيسى المغيلي المعروف بالجلاب، ومحمد بن أحمد بن مرزوق الكفيف، ومحمد بن محمد بن حزورة، كما اتَّصل بأحمد زروق وأخذ عنه بالإجازة. وبعد انتقاله إلى فاس أخذ كذلك عن محمد بن عبد الله اليفرني المكناسي قاضي الجماعة بها.
تكوَّن علميًّا في بيئة مالكيَّة عُنِيَت بالفقه والنوازل والأحكام، حتى غلب عليه التخصُّص في المذهب المالكي، مع مشاركة في فنون أخرى من العلم. وكان متين المعرفة باللغة العربيَّة، فصيح اللسان والقلم، شديد العناية بتحرير المسائل، مع قدرة ظاهرة على استحضار فروع المذهب وقواعده.
استقرَّ في تلمسان في أول حياته العلميَّة، واشتغل فيها بالتعليم والفتوى. ثمَّ وقعت بينه وبين السلطة الزيانيَّة خصومة أدَّت إلى نهب داره والتضييق عليه، فغادر تلمسان إلى فاس في أول المحرم سنة 874هـ، وكان يومئذ قد بلغ نحو الأربعين من عمره.
لقي في فاس قبولًا من علمائها وطلابها، واتخذها وطنًا له ولأسرته، وأقبل على التدريس والتأليف. وأكبَّ على تدريس «المدوَّنة» و«مختصر ابن الحاجب الفرعي»، ودرَّس في المسجد المعلَّق بالشراطين، ثمَّ أُسْنِدَت إليه كراسٍ علميَّة في عدد من مساجد فاس ومدارسها، ومنها كرسي الفقه في المدرسة المصباحيَّة.
بلغ في الفقه المالكي منزلة رفيعة، حتى عُرِفَ بكثرة اطِّلاعه على أصول المذهب وفروعه، وبالإحاطة بمصادره ونوازله وأقوال علمائه. وكان اهتمامه بالفقه قد غلب على مشاركاته العلميَّة الأخرى، حتى ظنَّ بعض من عرف تدريسه أنَّه لا يشتغل بغيره، مع سعة معرفته باللغة والعلوم المتَّصلة بالفقه.
تخرَّج عليه عدد من العلماء والفقهاء، ومنهم ابنه عبد الواحد الونشريسي، ويحيى بن مخلوف السوسي، وإبراهيم بن عبد الجبار الورتدغيري، وعبد الله بن عمر المضغري، وأبو عباد بن فليح اللمطي، وأبو القاسم بن عمر التفنوتي، ومحمد الكراسي الأندلسي، وعبد السميح المصمودي وغيرهم.
ترك مؤلَّفات متعدِّدة في الفقه المالكي وقواعده والنوازل والوثائق والتراجم. ومن أشهرها «إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك»، جمع فيه عددًا كبيرًا من القواعد الفقهيَّة ورتَّب عليها مسائل المذهب، فصار من الكتب المعتمدة في معرفة أصول التخريج والترجيح عند المالكيَّة.
ومن كتبه «عدَّة البروق في تلخيص ما في المذهب من الجموع والفروق»، عُنِيَ فيه بالفروق الفقهيَّة والعلل التي تختلف بها الأحكام بين المسائل المتشابهة، و«المنهج الفائق والمنهل الرائق والمعنى اللائق بآداب الموثِّق وأحكام الوثائق»، في أحكام الوثائق وآداب الموثِّقين.
وله «الواعي لمسائل الأحكام والتداعي»، و«الوفيات»، وهو ذيل في تراجم العلماء والوفيات يمتد من سنة 701هـ إلى سنة 912هـ، و«الفهرسة» التي ترجم فيها لشيوخه وشيوخ شيوخه، و«الأسئلة والأجوبة»، إلى جانب تعليقات على «مختصر ابن الحاجب الفرعي»، ومصنَّفات واختصارات أخرى في الفقه والنوازل والوثائق.
ويُعَدُّ «المعيار المعرِّب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب» أشهر آثاره وأوسعها أثرًا. جمع فيه فتاوى علماء المغرب والأندلس وإفريقية عبر عصور متعدِّدة، ورتَّبها على أبواب الفقه، وصرَّح في أكثر المواضع بأسماء المفتين، وحافظ على نصوص الأسئلة والأجوبة كما وصلته من غير تصرُّف كبير فيها.
استفاد في جمع «المعيار» من عدد كبير من الكتب والمجاميع والفتاوى المتفرِّقة، ومن مكتبات خاصَّة كانت تضمُّ تراث فقهاء المغرب والأندلس، كما أفاد من كتب النوازل السابقة. واستغرق العمل فيه سنوات طويلة، حتى أصبح موسوعة واسعة للفقه المالكي والنوازل في الغرب الإسلامي.
ولا تقتصر قيمة «المعيار» على مادَّته الفقهيَّة، بل يضمُّ أخبارًا كثيرة عن أحوال المجتمع في المغرب والأندلس وإفريقية، وعادات الناس ومعاملاتهم وأعرافهم وأحوالهم في الحرب والسلم والعمران والملابس والمطاعم وغيرها، ولذلك صار مصدرًا مهمًّا في دراسة التاريخ الاجتماعي إلى جانب قيمته الفقهيَّة.
تُوُفِّيَ في فاس في شهر صفر سنة 914هـ الموافق 1508م، بعد أن أمضى فيها نحو 40 عامًا مشتغلًا بالتدريس والفتوى والتأليف، ودُفِنَ بها.
كتب أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي PDF
