
أبو الحسن ابن القصار
علي بن عمر بن أحمد، أبو الحسن البغدادي المالكي، المشهور بابن القصار: فقيه أصولي وقاضٍ من أعلام المالكية ببغداد. ونسبة «القصار» مأخوذة من القصارة، وهي حرفة تبييض الثياب ودقها، ولا تذكر مصادر ترجمته شيئًا ثابتًا عن مولده أو أسرته أو نشأته.
تنسبه عامة المصادر إلى بغداد، وهو ما يدل على أنها موطنه الذي نشأ واستقر فيه، كما تُوُفِّيَ بها. وقد انفرد مخلوف بوصفه بالأبهري الشيرازي، غير أن هذا الوصف لم يُذْكَرْ عند معاصريه أو المتقدمين في ترجمته، ولذلك اسْتُبْعِدَ الاعتماد عليه. وذُكِرَ أنه التقى أبا حامد الإسفراييني بالبصرة، مما يدل على أنه رحل إليها، ولم تَرِدْ في المادة أخبار أخرى واضحة عن رحلاته العلمية.
كان مالكي المذهب بلا خلاف، تفقه على علماء المالكية وتشبع بمذهبهم، وكان من أبرز من نافح عنه واحتج له. ومن شيوخه أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري، إمام المالكية في وقته، وقد لازمه ابن القصار وتفقه به، وهو أجل شيوخه المذكورين في ترجمته. وأخذ أيضًا عن أبي الحسن علي بن المفضل السامري، ويقال له الستوري، ويظهر أن أخذه عنه كان في باب الرواية والسماع أكثر من التفقه.
وروى ابن القصار عن السامري عددًا من الأحاديث والآثار، ومنها حديث «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين»، وحديث «لا حول ولا قوة إلا بالله» في كونها من كنوز الجنة، وروى عنه جماعة من المحدثين والفقهاء.
تخرج به عدد من علماء المالكية، من أبرزهم القاضي عبد الوهاب بن علي المالكي، الذي تأثر بفقهه ونقل اختياراته، واختصر كتابه «عيون الأدلة» في كتاب سماه «عيون المجالس». ومن تلاميذه أيضًا أبو ذر الهروي، ومحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عمروس البغدادي، ومحمد بن علي بن محمد بن عبيد الله المعروف بابن الغريق، وإسماعيل بن الحسن بن علي بن عتاس، وغيرهم.
تولى ابن القصار قضاء بغداد، واشتهر به حتى كثر إطلاق «القاضي أبي الحسن» عليه في النقل عنه، وصار هذا الوصف من أشهر ما يُعْرَفُ به.
وكان واسع الفقه، قوي النظر، راسخًا في الخلاف والأصول. وقال فيه أبو ذر الهروي: «هو أفقه من لقيت من المالكيين»، ووصفه بأنه ثقة قليل الحديث. وذكر القاضي عبد الوهاب أن أبا حامد الإسفراييني لما جرى عنده ذكر ابن القصار وكتابه في الحجة لمذهب مالك قال: «ما ترك صاحبكم لقائل ما يقول». وقال أبو إسحاق الشيرازي عن كتابه في الخلاف إنه لا يعرف للمالكية كتابًا في هذا الفن أحسن منه.
ووُصِفَ ابن القصار في بعض المصادر بالحافظ، إلا أن صاحب الدراسة استبعد أن يكون المراد بذلك رتبة الحافظ في اصطلاح المحدثين؛ لأن الرواية المسندة عنه قليلة، ولأن أبا ذر الهروي، وهو من تلاميذه ومن أهل الحديث، وصفه بأنه قليل الحديث. والأقرب أن المراد بالحفظ هنا حفظ العلم وضبط مسائله وكثرة استحضار النصوص، وهو ما تشهد به مصنفاته.
لم تُذْكَرْ له مصنفات كثيرة، وأشهر ما اتفقت المصادر على نسبته إليه كتاب «عيون الأدلة» في مسائل الخلاف، وقد صُنِّفَ لنصرة مذهب مالك، وكان من الكتب الكبيرة في الخلاف، حتى أثنى عليه الشيرازي وغيره. وذُكِرَ أيضًا أن له مؤلفًا مستقلًا في أصول الفقه.
اختلف في سنة وفاته؛ فقيل سنة 398هـ، وقيل سنة 397هـ، ورُجِّحَ الثاني؛ لأن قائليه أقدم وأقرب إليه. ونقل ابن المهتدي، وهو من تلاميذه، أنه تُوُفِّيَ يوم السبت 7 ذي القعدة سنة 397هـ، بينما ضبط ابن أبي الفوارس وفاته في 8 ذي القعدة من السنة نفسها، ونقل الذهبي هذا التاريخ ورجح أصل السنة، فالثابت الراجح أن وفاته كانت في ذي القعدة سنة 397هـ.
كتب أبو الحسن ابن القصار PDF
