أبو الفيض محمد مرتضى بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي: لغوي ومحدث ونسابة وأصولي، ومن المكثرين في التصنيف. أصله من واسط بالعراق، ووُلد ببلجرام في الهند سنة 1145هـ، ونشأ بزبيد في اليمن، ومنها اشتهر بالزبيدي. رحل في طلب العلم، وحج مرات، واتصل بعلماء الحجاز واليمن، فأخذ عن عبد الله السندي، وعمر بن أحمد بن عقيل المكي، ومحمد بن علاء الدين المزجاجي، وعبد الرحمن العيدروس، وعبد الله الميرغني وغيرهم. ولازم العيدروس وأخذ عنه، وكان هو الذي شوقه إلى الرحلة إلى مصر. ودخل القاهرة في 9 صفر سنة 1167هـ، فأخذ عن عدد من علمائها، منهم أحمد الملوي، والجوهري، والحفني، والبليدي، والصعيدي، والمدابغي، وأجازوه ورووا عنه. كما رحل في أنحاء مصر إلى الصعيد ودمياط ورشيد والمنصورة وغيرها، واجتمع بعلمائها وأعيانها وتبادل معهم الرواية والإجازة.
اشتهر الزبيدي في القاهرة بالحديث واللغة والأنساب والأسانيد، وأقبل عليه العلماء والطلبة والأعيان. وكان يملي الحديث بأسانيده ويحفظ أسماء رجاله وطرقه، وعقد مجالس لقراءة «صحيح البخاري» و«الشمائل» وغيرها، وطلب منه بعض علماء الأزهر الإجازة. واتصل به أمراء مصر وكبار رجال الدولة، واتسعت شهرته حتى كاتبه ملوك وأعيان من الحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب والسودان والجزائر وغيرها. وكان يحسن التركية والفارسية وبعض لسان الكرج، وله نظم ونثر كثيران. وعرف بسعة الحفظ وكثرة الاطلاع، ولا سيما في اللغة والحديث والرجال والأنساب، وجمع الأسانيد وطرق الرواية، كما كانت له عناية بالتصوف وطرقه وأسانيده. وتزوج في مصر، وتوفيت زوجته زبيدة سنة 1196هـ، فحزن عليها ورثاها بقصائد عدة، ثم تزوج بعدها.
أشهر مصنفاته «تاج العروس من جواهر القاموس»، وهو شرحه الكبير على «القاموس المحيط»، أمضى في تأليفه عدة سنوات، ولما أتمه سنة 1181هـ تقريبًا عرضه على علماء عصره فقرظه جماعة منهم علي الصعيدي وأحمد الدردير ومحمد الأمير وعبد الرحمن العيدروس وغيرهم. وله أيضًا «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين»، و«عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة»، و«أسانيد الكتب الستة»، و«معجم شيوخه»، و«ألفية السند» في الحديث، و«مختصر العين»، و«التكملة والصلة والذيل للقاموس»، و«بلغة الغريب في مصطلح آثار الحبيب»، و«غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد مسلم بن الحجاج»، و«عقد اللآلي المتناثرة في الأحاديث المتواترة»، و«نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح»، و«رفع الشكوى وترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيوب»، و«كشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام»، و«مزيل نقاب الخفاء عن كنى سادتنا بني الوفاء»، و«جذوة الاقتباس في نسب بني العباس»، و«الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار»، وله رسائل ومصنفات كثيرة في الأنساب والحديث والتصوف واللغة والتاريخ والمناسك والأسانيد، إلى جانب رحلات ونظم كثير.
وفي أواخر حياته قلل مخالطة الناس وترك كثيرًا من مجالس الدرس والإقراء، ورد بعض الهدايا التي كانت تأتيه من الأعيان والملوك. ثم أصيب بالطاعون في شعبان سنة 1205هـ بعد صلاة الجمعة، واشتد به المرض واعتقل لسانه، وتوفي بالقاهرة، وصُلِّي عليه ودُفن في القبر الذي كان قد أعده لنفسه بجوار زوجته عند المشهد المعروف بالسيدة رقية. ولم يترك ولدًا. ووصفه من عرفه بأنه كان متوسط القامة نحيف البدن، حسن الهيئة، بشوشًا وقورًا، شديد الذكاء، واسع الحفظ والاستحضار.