
شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي
محمد بن عبد الدائم بن موسى بن عبد الدائم النعيمي العسقلاني الأصل، البرماوي ثم القاهري، شمس الدين أبو عبد الله: من أئمة الشافعية في الفقه وأصوله والحديث والعربية. ونسبته إلى بَرْمَة من أعمال الغربية بمصر. وُلد في منتصف ذي القعدة سنة 763هـ، وكان أبوه يؤدب الأطفال، فنشأ طالبًا للعلم، وحفظ القرآن الكريم وعددًا من الكتب والمتون، واشتغل بالتحصيل منذ شبابه.
سمع الحديث من إبراهيم بن إسحاق الآمدي، وعبد الرحمن بن علي ابن القاري، وبرهان الدين ابن جماعة، وابن الفصيح، والتنوخي، وابن الشيخة وغيرهم. وكان أول تخرجه بقريبه مجد الدين إسماعيل، ثم لازم بدر الدين الزركشي ملازمة طويلة وتمهر به، وشارك في تحرير بعض مصنفاته، وحضر دروس سراج الدين البلقيني وقرأ عليه، وأخذ كذلك عن الأبناسي وابن الملقن وزين الدين العراقي وغيرهم.
أقبل على العلم إقبالًا شديدًا مع ضيق حاله وما كان يعانيه من الفقر، حتى تمكن من الفقه والحديث والأصول والنحو والعربية وغيرها. وناب في الحكم أولًا عن بدر الدين ابن أبي البقاء، ثم عن ابن البلقيني، ثم عن الأخنائي، قبل أن يعرض عن النيابة في القضاء ويتفرغ للاشتغال بالعلم وتعليم الطلبة. وكان من طريقته في التدريس أن يختار كل سنة كتابًا من المختصرات، فيقرأه على الطلاب كاملًا حتى ينتهي منه.
انتقل إلى دمشق في جمادى الأولى سنة 821هـ بدعوة من نجم الدين ابن حجي، وكان قد صحبه في الطلب عند الزركشي، فأكرمه ابن حجي وأنزله عنده، واستنابه في الحكم والخطابة. وتولى إفتاء دار العدل، ثم تدريس المدرسة الرواحية ونظرها، وتدريس المدرسة الأمينية. وعكف عليه الطلاب، ودَرَّسَ لهم عددًا من كتب المذهب، منها «التنبيه» و«الحاوي» و«المنهاج»، وكان يختم تدريس كل واحد منها في نحو سنة، فاشتهرت فضيلته وانتشر ذكره بدمشق.
توفي ابنه محمد أثناء إقامته في دمشق، فاشتد جزعه عليه وكره الإقامة بها، فعاد إلى القاهرة في رجب سنة 826هـ. وهناك تصدر للإفتاء والتدريس والتصنيف، وكثر المنتفعون به، حتى صار عدد من طلابه من رؤساء العلم في حياته. وباشر بعض وظائف ولي الدين العراقي نيابة عن حفيده، كما عُيّن لتدريس الفقه في المؤيدية، وإن لم يتم له ذلك، واستقر له أيضًا بعض وظائف التدريس الأخرى.
حج سنة 828هـ، وجاور في السنة التالية، ودَرَّسَ ونشر العلم في مكة المكرمة، وحدث بها. ثم عاد سنة 830هـ، فولي تدريس المدرسة الصلاحية ونظرها في بيت المقدس، فأقام هناك، وانتفع به أهل القدس وما حولها، وظل قائمًا بالتدريس والإقراء والتصنيف حتى وفاته.
عُرف البرماوي بسعة العلم وحسن المشاركة في الفنون، وكان إمامًا في الفقه وأصوله والعربية والحديث، كثير المحفوظ، حسن الخط والنظم، وقورًا متواضعًا قليل الكلام، لطيف الأخلاق، عالي الهمة في خدمة الطلاب وتفريغ نفسه لهم. ووُصف بأنه من الأئمة الأجلاء، واسع المعرفة بفنون العلوم، مع ما كان عليه من الخير والتواضع.
انتشر تلامذته في الآفاق، ومنهم جلال الدين المحلي، ويحيى المناوي، والعبادي، ومحمد بن حسن النواجي، وقاسم بن إبراهيم الزفتاوي، وعلي بن محمد الهيثمي وغيرهم. وحدث عنه جماعة من أهل العلم في القاهرة ومكة ودمشق وبيت المقدس، فسمع منه زين الدين رضوان بالقاهرة، وتقي الدين ابن فهد بمكة، وابن ناصر الدين بدمشق، وغيرهم.
خلّف عددًا من المصنفات في الحديث والفقه والأصول والعربية والفرائض، من أشهرها شرحه على «صحيح البخاري» المعروف بـ«اللامع الصبيح على الجامع الصحيح» في 4 مجلدات، و«شرح العمدة»، وله منظومة في رجال «العمدة» وشرح عليها، وألفية في أصول الفقه وشرحها في كتاب «الفوائد السنية في شرح الألفية»، وقد استفاد فيه من «البحر المحيط» لشيخه الزركشي.
ومن كتبه كذلك منظومة في الفرائض، وشرح «لامية الأفعال» لابن مالك، و«شرح الصدور بشرح زوائد الشذور» في النحو، واشتغل بـ«البهجة الوردية»، وصنف مختصرًا في السيرة النبوية ووضع عليه حاشية، ولخص «المهمات» للإسنوي، وله «المقدمة الشافية في علمي العروض والقافية»، وشرح في الحديث على ثلاثيات البخاري.
ظل البرماوي مشتغلًا بنشر العلم تصنيفًا وإقراءً إلى أن توفي في بيت المقدس في جمادى الآخرة سنة 831هـ؛ فقيل يوم الخميس 22 من الشهر، وورد في بعض التراجم أنه توفي في 12 جمادى الآخرة. وتفرقت كتبه وتصانيفه بعد وفاته.
كتب شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي PDF
