يبحث ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب حقيقة الخشوع بوصفه انكسارًا يبدأ من القلب ثم تظهر آثاره على الجوارح، ويصرح في أول الرسالة بأنها موضوعة في «الخشوع وانكسار القلب للرب»، مستشهدًا بما أثنى الله تعالى به على الخاشعين والمخبتين، وبخاصة قوله تعالى في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. ويحدد أصل الخشوع بلين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره، فإذا استقر ذلك فيه تبعه السمع والبصر والرأس والوجه وسائر الأعضاء، ولذلك ينقل عن السلف تفسير الخشوع بالخوف والسكون وغض البصر وخفض الجناح وترك الالتفات في الصلاة. ويقابل هذا الخشوع الصادق بما سماه السلف «خشوع النفاق»، وهو أن يبدو الجسد ساكنًا ذليلًا بينما يخلو القلب من ذلك، وينقل عن عمر رضي الله عنه إنكاره على من تكلف هيئة الخشوع، مؤكدًا أن الظاهر لا ينبغي أن يتجاوز حقيقة ما في الباطن. ثم يرد منشأ الخشوع إلى معرفة الله تعالى وعظمته وجلاله وكماله؛ فتختلف أحوال القلوب بحسب ما يغلب عليها من استشعار قربه ومراقبته أو هيبته وكبريائه أو محبته والشوق إليه أو الخوف من عقابه، ويجعل انكسار القلب لله تعالى من أعظم أسباب قرب العبد وإجابة دعائه. ويربط الخشوع بالعلم النافع، فالعلم الذي يصل إلى القلب يثمر السكينة والخشية والإنابة والتواضع، أما العلم الباقي على اللسان من غير أثر في القلب فيكون حجة على صاحبه، ومن هنا يفسر التحذير من رفع الخشوع بأنه فقدان ثمرة العلم وإن بقيت ألفاظه ومحفوظاته. ويستشهد بما تحدثه تلاوة القرآن من لين القلب ورقته وخشيته، ويقابل ذلك بقسوة القلب التي لا تتحرك لذكر الله تعالى، حتى يصل إلى الاستعاذة النبوية من «قلب لا يخشع».
وتظهر ثمرة هذا التأصيل أوضح ما تكون في الصلاة؛ إذ يجعلها ابن رجب من أعظم العبادات التي يتجسد فيها ذل البدن الناشئ عن خشوع القلب، فيصف الخاشع بأنه يقف بين يدي الله تعالى ساكنًا متواضعًا، لا يلتفت ببصره ولا يشتت قلبه بالدنيا، مستحضرًا أن قيامه في الصلاة يذكره بالوقوف بين يدي الله تعالى يوم الحساب. ويشرح صور هذا الذل في أفعال الصلاة: فوضع اليد على اليد في القيام يورده بمعنى «ذل بين يدي عزيز»، والإقبال بالقلب يقتضي تفريغه لمناجاة الله تعالى، وترك الالتفات بالبصر علامة على عدم التفات القلب، والركوع خضوع ظاهر يكتمل بخضوع الباطن، أما السجود فهو أبلغ مظاهر الانكسار لأن العبد يضع أشرف أعضائه على الأرض، فيجمع بين خضوع الجسد وانكسار القلب، ويقابل ذله بالتسبيح بعظمة ربه وعلوه. ثم ينقل وصفًا عمليًا للصلاة يجمع النية والعظمة عند التكبير، والترتيل والتفكر في القراءة، والخشوع في الركوع، والتواضع في السجود، والإخلاص والخوف من عدم القبول، ليبين أن الخشوع ليس هيئة منفصلة عن معاني الصلاة بل حضور يرافقها من أولها إلى آخرها. ويخرج من الصلاة إلى الدعاء بوصفه ميدانًا آخر للذل، فيذكر رفع اليدين وهيئة السائل، ثم يجعل الأهم افتقار القلب واستشعار الفاقة إلى الله تعالى والإلحاح والتضرع في السؤال، محذرًا من دعاء القلب الغافل. ويتوسع بعد ذلك في معنى «المسكنة»، فلا يحصرها في قلة المال، بل يجعل حقيقتها استكانة القلب لله تعالى وخضوعه له؛ فقد يكون الغني مسكين القلب بمعنى الخضوع، وقد يتخذ الفقير مظهر التواضع وقلبه مملوءًا كبرًا، ولهذا يفرق بين حقيقة التواضع وبين لباسه وهيئته الخارجية، ويقرر أن الكبر موضعه القلب ويظهر في رد الحق واحتقار الناس. وتنتهي الرسالة باستحضار مقام العبودية الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم على مقام الملك، وما يورده ابن رجب من معاني الأكل والجلوس عيشة العبد، والتضرع عند الجوع والشكر عند الشبع، ثم يجعل صدق العبودية في إسقاط تعظيم النفس وإيثار مراد الله تعالى على مرادها؛ فيلتقي آخر الكتاب بأوله عند معنى واحد: أن الخشوع الحقيقي ليس حركة ظاهرة ولا انحناء جسد، وإنما عبودية قلب عرف عظمة ربه فانكسر له، ثم صدقت الجوارح ما استقر فيه.