يخاطب أبو هلال العسكري في هذا الكتاب طالبَ العلم خطابًا يقوم على إثارة الهمة وإظهار أن الرفعة العلمية لا تُنال بالدعة، فيشبّه الصعود إلى مراتب الأدب والعلم بصعود القمم الذي لا يكون إلا بمشقة النفس، وينقل عن الجاحظ أن العلم لا يعطي صاحبه بعضه حتى يعطيه كله، ثم يربط طلبه بعز لا يحتاج إلى سلطان، وغنى لا يقوم على المال، ومنعة لا تستند إلى السلاح أو العشيرة، وذكر يبقى لصاحبه بعد موته. ويكثر في هذا المعنى من الأشعار والحكم والآثار التي تجعل قيمة الإنسان فيما يحسنه، وتحضه على اغتنام زمن القدرة والشباب قبل أن تفوته فرصة التحصيل. ثم يفصل ما يعين على بلوغ العلم، فينقل قولًا يجمع لذلك الذهن الثاقب، وطول الزمان، والكفاية، وكثرة العمل، والمعلم الحاذق، وشهوة التعلم، ويضيف إلى ذلك ملاءمة الطبع؛ فيشرح أن الرغبة تنشط النفس للطلب، وأن طالب العلم يبدأ بالمهم وبما يكون طبعه أنشط إليه، وأن الكفاية تحرره من شواغل المعاش، وأن حسن التعليم يتوقف على معلم يعرف ترتيب المبادئ وتقديم ما ينبغي تقديمه، بينما يظل قوة الفهم والدأب وطول الممارسة أساسًا لا يغني عنه شيء. ويجسد فضل العلم بأخبار من ارتفعت منازلهم به على الرغم من ضعف المكانة الاجتماعية، فيذكر لقمان، والأعمش، والرياشي، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهدًا، ويورد قول أبي الأسود إن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك، ثم يعرض نماذج لتواضع الكبراء في طلبه وتحمل طلابه الغربة والخشونة والأذى من أجل فائدة واحدة. ومن صور ذلك قصة الأصمعي الذي هان عليه طول الغربة وشظف العيش بعد أن ظفر بأبيات جديدة، ومنها ينتقل أبو هلال إلى معنى ملازمة الطلب طوال العمر؛ فينقل أن طالب العلم لا يقضي نهمته، وأن ابن المبارك ظل يكتب رجاء أن يسمع كلمة ينتفع بها لم يسمعها بعد، وأن مسروقًا رحل من العراق إلى الشام في طلب تفسير آية، وأن سعيد بن المسيب كان يسير الأيام والليالي من أجل حديث واحد، لتصبح الرحلة والبكور والصبر واحتمال الذل في التعلم علامات على صدق الرغبة لا أمورًا عارضة في طريقها.
ويمتد الحث من تحصيل العلم إلى حفظه وصيانته؛ فيقرر أبو هلال أن مجرد جمع الكتب لا يحقق غاية الطالب ما لم يتحول ما فيها إلى علم حاضر في الصدر، وأن الحفظ لا يقوم إلا على شدة العناية وكثرة الدرس وطول المذاكرة، حتى يصف المذاكرة بأنها حياة العلم، ويرى أن من عوّل على الكتاب وأهمل الدرس والمراجعة أضاع ثمرة سعيه. وينقل عن الخليل أن حفظ ما في الصدر أولى من الاقتصار على ما في الكتاب، وأن الكتاب بمنزلة رأس المال وما في الصدر بمنزلة النفقة، ويصور الحفظ ملكة تشتد بالممارسة؛ فأوله شاق، ثم يتسع القلب له كلما اعتاده، ويذكر عن نفسه أنه عانى الحفظ أولًا ثم درب نفسه حتى حفظ في ليلة قصيدة تقارب 200 بيت. ويضم إلى ذلك إرشادات عملية، منها رفع الصوت في الدرس ليسمع الطالب نفسه، ومزاوجة القراءة بالمذاكرة، ومقاومة النوم والفتور من غير إفراط يهلك البدن، ويورد قولًا يفرق بين القراءة الخفية للفهم والقراءة المرتفعة التي تجمع الفهم والحفظ. ويستعرض أخبارًا كثيرة في شدة الملازمة: ثعلب لا يفارقه كتاب حتى في الدعوات، وأبو بكر الخياط يدرس وهو يمشي، وابن الفرات يحفظ كل يوم شيئًا وإن قل، وأبو الفضل ابن العميد يستحضر ما في نحو 100 مجلد، وأبو حاتم يستضيء بسراج الحارس حين عجز عن شراء ما يحتاج إليه، وأبو علي يملي من حفظه آلاف الأوراق، وكلها شواهد يسوقها لإثبات أن قوة الحفظ ثمرة طول المعاناة والدرس والسهر. ثم يربط أدب الطلب بتوقير العلم وأهله، فينقل عن ابن عباس رضي الله عنهما انتظاره عند أبواب الأنصار طلبًا لما عندهم من العلم، ويحذر من أن يمنع الحياء صاحبه من السؤال، ويورد أخبار مالك وشريك وغيرهما في أن العلم يُطلب بالتواضع ولا يُبتذل لأصحاب السلطان. ويوازن في الصفحات الأخيرة بين شدة الاجتهاد والاعتدال، فينبه إلى أن الإفراط الذي ينهك النفس قد يؤدي إلى تضييع العلم نفسه، ثم يعرض صورًا من انهماك الخليل وأبي تمام وغيرهما في الفكر، ويعيد المقارنة بين عز السلطان الذي يزول بزواله وعز العالم الذي يبقى في حياته وبعد موته. ويقابل ذلك كله بصورة الجهل باعتباره نقصًا يحجب صاحبه عن إدراك نقصه، ويختم معاني الكتاب بالدعوة إلى الهرب من الرضا بالجهل، وإكرام العلم وأهله، والانتفاع بما تعلمه الإنسان حتى يكون علمه حجة له لا عليه.