ألَّف أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي «الاعتصام» بعد أن رأى كثرة البدع وانتشار العمل بها، حتى التبس المشروع بغيره، ورأى أن الكلام على هذا الباب لم يُستوفَ بما يكشف أصوله وفروعه، فوضع كتابه لبيان البدع وأحكامها وما يتصل بها من المسائل. ويبدأ بتحرير معنى البدعة، فيجعلها «طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية»، ثم يشرح عناصر هذا التعريف وما يدخل تحته من الاعتقاد والقول والفعل والترك إذا اتُّخذ طريقًا للتدين على غير ما شرعه الله تعالى.
ثم يتناول ذم البدع وسوء عاقبة أصحابها، مستدلًا بالقرآن والسُّنَّة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ويقرر عموم الذم للبدع ويرد على تقسيمها إلى حسنة وقبيحة أو تنزيلها على الأحكام الخمسة بهذا الاعتبار. ويفصل في البدعة الحقيقية والإضافية والفرق بينهما، ثم يبحث تفاوت البدع في أحكامها ومراتبها؛ فمنها ما يكون أشد من غيره، ومنها ما يلحق بالكبائر أو بالصغائر، مع النظر في أثر البدعة ومقدار مخالفتها لأصول الشريعة. كما يناقش دخول الابتداع في العادات أو اختصاصه بالعبادات، ويضرب أمثلة متعددة تكشف الفارق بين المخالفة الشرعية المجردة وبين اتخاذ أمر محدث طريقًا في الدين.
ويفرد الشاطبي جانبًا واسعًا لمآخذ أهل البدع في الاستدلال، فيناقش طرائقهم في الاحتجاج بالنصوص، واتباع المتشابه، وأخذ الجزئيات منفصلة عن الأصول الكلية، والاستناد إلى أدلة لا تنهض لما أريد منها. ثم يميز بين البدعة وبين المصلحة المرسلة والاستحسان، لأن بعض الناس ألحق بالمحدثات أمورًا جرت على أصول معتبرة في الشريعة، واتخذ ما فعله الصحابة رضي الله عنهم من المصالح حجة لاختراع عبادات جديدة. ولذلك يبحث مناط المصلحة وضوابط اعتبارها، ويبين أن المصالح المرسلة لا تدخل في البدع لمجرد عدم ورود نص خاص في كل صورة منها، ما دامت راجعة إلى أصول الشريعة ومقاصدها.
ويتوسع في حديث افتراق الأمة وما يتصل به من معنى الجماعة والفرقة الناجية وأسباب خروج فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين، ثم يبحث الجهات التي ينشأ منها الإحداث في الدين. ويرد هذه الجهات إلى الجهل بأدوات فَهم النصوص، والجهل بمقاصد الشريعة، وتحسين الظن بالعقل حتى يُجعل شريكًا للشرع أو مقدَّمًا عليه، واتباع الهوى الذي يؤثر في فهم الأدلة وتوجيهها. ومن هنا يتجه في الباب الأخير إلى بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل الابتداع، رابطًا سلامة التدين بصحة فهم الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة لسان العرب ومقاصد الشريعة، ورد الجزئيات إلى أصولها الكلية.