يبين الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني في هذا الكتاب حديث افتراق الأمة، فيجمع أولًا عددًا من طرقه وألفاظه عن معاوية وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك وأنس رضي الله عنهم، ومنها الروايات التي تذكر افتراق الأمة إلى 73 فرقة، وزيادة «كلها في النار إلا واحدة»، وتفسير الناجية بأنها «الجماعة» أو «من كان على ما أنا عليه وأصحابي». ثم يجعل مدار الرسالة على إشكالين؛ أولهما ما يبدو من الحكم على 72 فرقة بالهلاك والنار مع الأحاديث التي تدل على سعة رحمة الله تعالى بهذه الأمة وكثرة أهلها في الجنة. ويناقش جواب من حمل لفظ «أمتي» في حديث الافتراق على أمة الدعوة كلها، وجعل أمة الإجابة هي الفرقة الناجية وحدها، لكنه يستبعد هذا التفسير؛ لأن الغالب في إطلاق «أمتي» في كلام النبي صلى الله عليه وسلم عنده إرادة أمة الإجابة، ولأن صيغة «ستفترق» تخبر بأمر سيقع في المستقبل في الأمة نفسها، فضلًا عن اقتران افتراقها بافتراق اليهود والنصارى بعد مجيء البينات. ويقترح بدلًا من ذلك عدة وجوه للجمع بين النصوص؛ منها أن كثرة الفرق الهالكة في العدد لا تستلزم أن يكون أفرادها أكثر من أفراد الفرقة الناجية، وأن تعداد طرق الضلال إنما يدل على تشعبها في مقابل وحدة طريق الحق. ويرى أيضًا أن الحكم على تلك الفرق بالنار يمكن أن يكون بالنظر إلى ظاهر أعمالها وما تستحقه بسبب تفريطها، من غير أن ينافي ذلك ما قد يلحق أفرادها من رحمة الله تعالى أو الشفاعة، كما يبحث احتمال تقييد هذا الوعيد بما يقع للأمة من العقوبات والفتن في الدنيا. وأوسع أجوبته أن الافتراق المذكور ليس حكمًا دائمًا لازمًا للأمة منذ عصر النبوة إلى قيام الساعة، بل يقع في زمن من الأزمنة؛ إذ لو كان ملازمًا لها على الدوام للزم وجود تلك الفرق في جيل الصحابة رضي الله عنهم، مع أن الحديث نفسه يجعل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معيار النجاة. ويرجح احتمال اشتداد هذا الافتراق في آخر الزمان، حين يكثر الفساد ويخفى الحق وتشتد غربة الدين.
أما الإشكال الثاني فهو تعيين الفرقة الناجية، وينتقد الصنعاني مسلك الطوائف التي تدعي كل واحدة منها أنها المقصودة بالنجاة، ثم تجعل شذوذ مخالفيها في بعض المقالات برهانًا على هلاكهم، مع إغفال ما قد يكون في مقالاتها هي من الخطأ. ويرى أن الأولى الوقوف عند التفسير المنقول في الحديث نفسه: أن الناجي هو من كان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وأن صدق الانتساب إلى السنة يظهر بموافقة الأقوال والأفعال لهديهم لا بمجرد اسم الطائفة ودعواها. ويربط هذا المعنى بأحاديث غربة الإسلام والطائفة الظاهرة على الحق، فيذهب إلى أن الناجين في زمن الفساد هم «الغرباء» الذين يصلحون عند فساد الناس أو يصلحون ما أُفسد من السنة، ويرفض حصر الفرقة الناجية في اسم مذهبي بعينه كالأشعرية أو المعتزلة، بل يصفها بأنها أفراد متبعون للنبي صلى الله عليه وسلم اتباعًا قوليًا وفعليًا، أيًّا كانت الجهة التي ينتسبون إليها. ثم يضع في آخر الرسالة قيدًا مهمًا على البحث كله؛ إذ يصرح بأن هذه الأجوبة مبنية على ثبوت زيادة «كلها هالكة إلا فرقة»، وينقل بواسطة محمد بن إبراهيم الوزير عن ابن حزم حكمه بأن هذه الزيادة موضوعة، وأن المعروف عنده أصل الافتراق إلى نيف وسبعين فرقة من غيرها، ويشرح وجه تعليل الزيادة عند المحدثين بمخالفة الثقات. كما ينبه إلى أن أصل حديث الافتراق نفسه ليس مما اتُّفق على صحته، وأن البخاري ومسلم لم يخرجاه. ويختم بأنه إنما كتب هذا التوجيه جوابًا عن سؤال بعض إخوانه من العلماء سنة 1133هـ، فجاءت الرسالة بحثًا في فهم الحديث والجمع بين دلالاته أكثر من كونها تعدادًا للفرق أو عرضًا تفصيليًا لمذاهبها.