يناقش عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم في هذا الكتاب علاقة المسلم بالرزق والمال من جهة طلبه واكتسابه والانتفاع به، وينطلق من أن الأرزاق مقسومة بعلم الله تعالى وحكمته، وأن الإنسان مسؤول عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، ولذلك لا يفصل الحديث عن الرزق عن الحساب والأمانة وطاعة الله تعالى. ويقرر أن طلب المعاش والعمل والتجارة من السعي المشروع الذي يستعين به المسلم على العبادة ويكف به وجهه عن الناس ويقوم بحقوق من يعول، مستشهدًا بأخبار السلف في الجمع بين طلب العلم والكسب، ومؤكدًا أن التوكل لا يعني ترك الأسباب ولا القعود عن العمل. ولا يذم المال في ذاته، فالمال الصالح في يد الصالح قد يكون عونًا على الدين، وإنما تأتي الآفة من شدة الحرص عليه أو اكتسابه من الحرام أو منعه عن حقوقه أو إنفاقه في الباطل أو تحوله إلى وسيلة للمفاخرة والاستعباد القلبي. ويصحح بهذا معنى الزهد، فلا يجعله ترك التجارة والطيبات، وإنما خفة تعلق القلب بالدنيا ومعرفة قدرها بالنسبة إلى الآخرة، ويستشهد بابن المبارك الذي كان يتجر ليصون وجهه ويكرم عرضه ويستعين بماله على طاعة ربه. ثم يعرض أبرز أسباب الرزق، وفي مقدمتها التقوى والاستغفار والتوبة وترك الذنوب والمعاصي، ويربط ذلك بالشكر والثقة بالله تعالى والاستغناء عما في أيدي الناس، مع اليقين بأن الرزق مكتوب مقدر وأن الحرص لا يزيد ما قسم للعبد، كما لا يبرر هذا اليقين الكسل وترك السعي. ويكثر في هذا الموضع من المقارنة بين من جعل الدنيا أكبر همه ومن جعل الآخرة غايته، ويرى في القناعة غنى القلب وفي شكر المال استعماله في الطاعة وقضاء الحقوق والحاجات، ويحذر من الترف الذي يحول النعمة إلى فتنة. وتتحول هذه المعاني إلى نماذج عملية كثيرة من ورع السلف في الأسواق والمعاملات؛ فيورد أخبار أبي حنيفة وغيره في بيان العيوب وترك الربح المشكوك فيه، وقصة الجارية التي امتنعت عن خلط اللبن بالماء لأن الله تعالى يراها وإن غاب عمر رضي الله عنه، وأخبارًا في رد الأموال أو الأرباح عند أدنى شبهة، ليجعل طيب المطعم والمكسب جزءًا من التقوى لا مسألة مالية منفصلة عنها.
ويتوسع الكتاب بعد ذلك في آثار كثرة المال ووجوه الانتفاع به، فيذكر أن الإنسان قد ينشغل بجمع ما لا يحتاج إليه مع أن حاجته الفعلية محدودة، بينما قيمة المال الدينية تظهر حين يستعين به على الحج والعبادة وضرورات المعيشة، أو يبذله صدقة وهدية وإعانة، أو يصونه به عرضه، أو يفرغ به وقته للعلم والذكر، أو ينشئ به نفعًا عامًا كالمساجد والقناطر والأوقاف. ويقابل هذه الفوائد بالتشديد على سؤال الإنسان عن جهة اكتساب الدرهم وموضع إنفاقه، فيميز بين المال المأخوذ بحق والمنفق في حق، وبين ما اكتسب أو صرف في معصية أو شبهة، ويعيد القناعة إلى مركز الحديث بوصفها رأس مال داخليًا يحفظ الإنسان من ذل الطمع. ثم يخصص جانبًا لمن ترك التجارة حين وجدها تصرفه عن العبادة، فلا يقدم ذلك قاعدة لإبطال الكسب الذي أثنى عليه في أول الكتاب، وإنما يعرضه باعتباره حالًا يختار فيه الإنسان ما يحفظ دينه إذا صار المال ملهيًا له؛ ولهذا ترد أخبار أبي الدرداء وغيره ممن خافوا شدة الحساب، إلى جانب أخبار من جمعوا بين التجارة والصدقة والورع. ويجمع بعد ذلك غوائل المال في كونه قد يوسع القدرة على المعصية، ويعوّد صاحبه الترف حتى يوقعه في الشبهات، ويملأ قلبه بمشكلات الحفظ والنماء والشركاء والخصومات حتى يلهيه عن ذكر الله تعالى، ولذلك يصف أخذ قدر الحاجة وصرف الفاضل في وجوه الخير بأنه ترياق المال من سمومه. وتأتي الخاتمة بعلاج الحرص والطمع واكتساب القناعة، فيجعله قائمًا على الصبر والعلم والعمل، ثم يفصله في الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق، وقصر الأمل واليقين بوصول الرزق، وعدم طلبه بمعصية الله تعالى عند استبطائه، ومعرفة عز القناعة وذل الطمع، والنظر في أحوال الأنبياء والصالحين، وتأمل مخاطر المال، والنظر إلى من هو دون الإنسان في الدنيا ومن فوقه في الدين. ويستقر آخر الكتاب عند أن الرزق المطلوب ليس مجرد كثرة المال، وإنما «الرزق الحلال الطيب المبارك» الذي يعين على الطاعة؛ فالمعيار الذي تتجمع حوله أخبار الكتاب ومواعظه هو طيب المكسب، والاعتدال في الطلب، والرضا بما قسم الله تعالى، وأداء الحقوق، وإبقاء المال في اليد لا في القلب.