يرسم عمر سليمان الأشقر في هذا الكتاب صورة متكاملة للتقوى تبدأ من معناها في القلب وتنتهي بآثارها في سيرة الإنسان ومصيره، وقد نشأ أصل البحث من إعداده حديثًا عن التقوى لبرنامج «الشريعة والحياة»، ثم وسعه بعد الرجوع إلى كتب اللغة والتفسير والحديث والأخلاق حتى استقر الكتاب في 15 مبحثًا. يفتتح بتتبع مادة الوقاية في اللغة، ثم يعرض تعريفات العلماء، ويبرز تعريف طلق بن حبيب الذي يجمع العمل بالطاعة على علم ورجاء، واجتناب المعصية على علم وخوف، ويركز على أن التقوى حالة قلبية من الخشية والتعظيم والمراقبة والرجاء تظهر آثارها في الجوارح؛ ولذلك يستشهد بحديث «التقوى هاهنا» ويجعل الإخلاص الباطن أساس القيمة في الصلاة والإنفاق والوفاء وسائر الأعمال. ويقرأ صفات المتقين من مطلع سورة البقرة وآية البر وآيات آل عمران، فيجمع تحتها الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق والإيمان بالوحي والآخرة، والوفاء والصبر، وكظم الغيظ والعفو والاستغفار بعد الذنب، فتغدو التقوى في عرضه عنوانًا لعقيدة القلب وعبادة الجوارح ومكارم الأخلاق معًا. ويخصص بعد ذلك مبحثًا لاستحقاق الله تعالى أن يُتقى لعظمته وملكه وعلمه وقدرته، ثم يجعل «كلمة التقوى» هي «لا إله إلا الله»، ويتتبع فضلها وصلتها بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح. ويقيم المبحث الرابع صلة وثيقة بين التقوى والعلم؛ فالمرء لا يستطيع أن يجتنب ما يجهله، وقد يظن المنكر معروفًا أو يتعبد بما لم يشرع إذا افتقد البصيرة، ولهذا يناقش أيضًا فهم قوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ ويرفض اتخاذه ذريعة لترك التعلم وطلب العلم. ثم يرتب المحذورات التي ينبغي للمتقي أن يحذرها، مستفيدًا من كلام ابن القيم، بدءًا من الكفر والشرك، فالبِدع، وكبائر الذنوب، وصغائرها التي تتراكم مع الاستهانة والإصرار، ثم التوسع في المباحات على نحو يجر إلى الحرام، وأخيرًا الانشغال بالأعمال المفضولة عن الأعمال الأعلى قدرًا وأولى بالوقت. ويقابل هذه المحذورات بوسائل تغذية التقوى في القلب: معرفة الله تعالى من خلال القرآن وأسمائه وصفاته، وعبادته بصدق ولا سيما الصلاة والصيام، والتفكر في آيات الكون، واستحضار القبر والقيامة وأهوالهما، والإكثار من ذكر الله تعالى؛ فالعبادة عنده تغرس التقوى، والتقوى بدورها تزيد صاحبها إقبالًا على العبادة. ومن هنا يفتح المبحث السابع باب الوصايا بالتقوى في القرآن والسنة وكلام الأنبياء والصحابة والعلماء والشعراء، ثم يلتفت إلى آفة دقيقة في المبحث الثامن هي تزكية الإنسان نفسه بذكر عباداته وأعماله وثنائه على ذاته، موضحًا أن استحضار علم الله تعالى بسريرة العبد يدفعه إلى التواضع والخوف من عدم قبول العمل، ويحذر كذلك من المبالغة في تزكية الآخرين لما قد تولده من عجب أو تملق.
وتأخذ المباحث التالية التقوى إلى ميدان الابتلاء والعمل والعلاقات؛ فيقرنها الأشقر بالصبر لأن المحافظة على العبادة وترك المحرمات ومواجهة الأذى تحتاج إلى احتمال ومصابرة، ثم يعرض في المبحث العاشر صورة من تأخذه العزة بالإثم إذا قيل له «اتق الله»، ويقابلها بحال المؤمن الذي يتواضع للنصيحة ويرجع عن الخطأ. وفي «تأسيس الأعمال على التقوى» يجعل النية والغاية أساسًا للحكم على المشروعات والأعمال العامة، ويستدعي قصة مسجد الضرار في مقابل المسجد المؤسس على التقوى، ثم يفرد مبحثًا لتصحيح مفهوم التعبد من خلال قصة الثلاثة الذين أراد أحدهم قيام الليل دائمًا، والآخر صيام الدهر، والثالث ترك الزواج، مستشهدًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجمع بين العبادة وحقوق النفس والحياة، حتى لا تتحول الرغبة في التقوى إلى غلو. ويخرج بالمفهوم من صلاح الفرد إلى بناء المجتمع في مبحث «التعاون على البر والتقوى»، فيدخل فيه التعليم والتأليف وإزالة الشبهات، وإعانة المحتاجين، وتعليم الصلاة والزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر وأعمال الخير المشتركة. أما أوسع مباحث الكتاب فهو المبحث الرابع عشر، وقد وزعه على 20 مطلبًا يرصد فيها ما يترتب على التقوى في الدنيا والآخرة؛ فهي عنده جامعة لخيري الدارين، وسبب لانشراح الصدر، ومحبة الله تعالى ومعيته وقبول العمل وولايته، ويربط بها حقيقة كرامات الأولياء، ثم يجعل معيار التفاضل بين البشر التقوى لا النسب أو الجنس، ويعرض ما وعد به المتقون من البشرى، والفرقان بين الحق والباطل، والمخرج من الشدائد وتيسير الأمور، وبركات السماء والأرض، والفلاح، ودوام الأخوة، وتكفير السيئات وعلو الدرجات والنجاة من النار ودخول جنات النعيم. ويجسد المبحث الخامس عشر هذه المعاني في الأشخاص والمواقف؛ فيبدأ بصور لحسن خاتمة بعض أهل العلم، مثل الحافظ السلفي وعبد الغني المقدسي وأبي الوقت، ثم يختار طائفة من السابقين وأبناء هذه الأمة ليظهر التقوى في صور متعددة من الثبات والعفة والزهد والجهاد والعدل والصدع بالحق. فتظهر آسية امرأة فرعون وقد آثرت الإيمان والجنة على الملك، ومؤمن آل فرعون وهو يجهر بالحجة أمام الطاغية، وأم سليم رضي الله عنها في ثباتها على الإسلام وصبرها وحسن تصرفها، وعاصم بن ثابت وجعفر بن أبي طالب وأبو ذر وخبيب بن عدي وخالد بن الوليد رضي الله عنهم في صور مختلفة من الجهاد والصدق والزهد والثبات، وسعيد بن عامر في ورعه وهو والٍ، وسليمان بن يسار في العفة أمام الفتنة، وعمر بن عبد العزيز في إقامة العدل ورد المظالم والزهد في امتيازات الخلافة. ثم يعرض الإمام أحمد بن حنبل في ثباته في المحنة وزهده في أموال الخلفاء، ويجعل سعيد بن جبير آخر هذه النماذج، فيصور عبادته ومواجهته للحجاج وثباته عند القتل، لتنتهي المادة الموضوعية للكتاب بهذه السيرة قبل قائمة المراجع؛ وكأن القصص الأخيرة تنقل تعريف التقوى من العبارة النظرية إلى نماذج يراها المؤلف متحققة في الخوف من الله تعالى، والاستقامة على أمره، والصبر عند البلاء، والعفة عن الشهوة والمال، والجرأة في قول الحق.