يصور عبد الحميد البلالي في «البيان في مداخل الشيطان» الصلة بين الإنسان والشيطان بوصفها معركة بدأت قبل هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض، ثم لم تنقطع في ذريته؛ ولذلك لا يفتتح الكتاب بتعداد الوساوس مباشرة، بل يعيد بناء «خطة العدو» منذ الأمر بالسجود، واستكبار إبليس وامتناعه، وطرده، وطلبه الإنظار، وإعلانه القعود لبني آدم على الصراط المستقيم وإتيانهم من الجهات المختلفة، ثم التزيين والإغواء والاستيلاء عليهم، مع استثناء عباد الله تعالى المخلصين. ويجعل تجربة آدم وزوجه في الجنة أول تطبيق عملي لهذه الخطة: لم يصرح الشيطان بغرضه، بل دخل إليهما من رغبة الخلود والملك، وزين المخالفة وأكد نصحه بالقسم، ثم «دلاهما بغرور» حتى وقعت المعصية؛ غير أن الفارق الذي يلح عليه المؤلف بين آدم وإبليس هو أن آدم عليه السلام قرن الخطأ بالاعتراف والتوبة، أما إبليس فقرن معصيته بالإصرار والكبر. ومن هذه البداية ينتقل الفصل الثاني إلى التحذير، فيجعل أصل النجاة إخراج القلب من عبودية الشيطان وولايته إلى عبودية الله تعالى، ويتناول نزع اللباس والحياء، والولاء، واتباع خطوات الشيطان، والصد عن سبيل الله تعالى، ودعوته حزبه إلى السعير. ثم يفرد الفصل الثالث لصفات هذا العدو، فيجمع بينها الضعف والكذب والجبن وقدرته على رؤية الإنسان من حيث لا يراه الإنسان، ويتناول علاقته بالمبذرين، ليقرر أن معرفته عدوًا لا تعني تصور قوة مطلقة له، إذ يستند إلى قوله تعالى في ضعف كيده ليجعل قوة المؤمن في اتصاله بالله تعالى. أما الفصل الرابع فيرصد جملة من «أعماله» كما وردت في النصوص التي جمعها المؤلف: طعنه للمولود، وما يتصل بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وما سماه بول الشيطان وضحكه وإدباره، واتباع الغاوين، واختلاسه من الصلاة بالالتفات، وانتشاره عند دخول الليل. وقد صرح البلالي في مقدمته بأن قصده معرفة العدو وخططه وأسلحته ونقاط ضعفه قبل خوض المعركة، وأن مادته تقوم على القرآن والسنة وما نقله من ابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم وبعض كتب التفسير، مع إعلانه استعداده لنقد ما يورده بدليل شرعي.
ويجعل البلالي الفصل الخامس «لب البحث ومحوره»، لأن معرفة العداوة والصفات لا تكفي عنده ما لم يعرف الإنسان الأبواب التي يدخل منها الشيطان إلى تفكيره وسلوكه؛ فيسرد 23 مدخلًا تتفاوت بين شهوة وشبهة وخلل نفسي واجتماعي، تبدأ بالأمر بالسوء ونسيان الله تعالى والنزغات، ثم التخويف بالفقر وتخويف المؤمن بأولياء الباطل، والأماني الكاذبة، والاستهواء، والإيحاء بالمجادلة، وتحريم ما أحل الله تعالى، واليأس، والاستفزاز والمشاركة في الأموال والأولاد، وتفكيك الأسرة، والغضب، والإفراط في المزاح، والنجوى، وسوء الظن، والغيبة، وتصيد العيوب، ثم نوعين من التزيين، فالوسوسة، وينتهي بما يتعلق بالاكتفاء بأضعف مراتب إنكار المنكر. ويؤكد أن المدخل يختلف باختلاف الإنسان وقربه من الله تعالى؛ فقد يأتي الشيطان بعض الناس بالمعصية الظاهرة، ويلبس على آخرين حتى يتصوروا الفساد إصلاحًا. ثم يخصص الفصل السادس لنتيجة اتباعه، فيرتبها من الخسران إلى تسليط القرناء، ثم الدفع المتزايد إلى الضلال، واستحقاقه، والهداية إلى السعير والحشر والندم المتأخر، إلى أن يصور «الاعتراف الأخير» لأتباع الباطل بعد فوات زمن العمل. ولا يترك القارئ عند هذا المصير، بل يجعل الفصل السابع كله للعلاج في 20 وسيلة تقابل كثيرًا من المداخل السابقة: الاستعاذة بالله تعالى، وقراءة المعوذتين وآية الكرسي وخاتمة سورة البقرة، وغض البصر، وضبط فضول الكلام، وصيانة السمع عن الباطل، والصيام والزواج وتقوية رابطة الأسرة، والقول الحسن والابتسامة والإنفاق، ثم ذكر الله تعالى والجهاد والالتزام بالجماعة الصالحة ومحاسبة النفس ومعرفة حقيقة الدنيا والإخلاص واتباع السنة. ويشرح هذه الوسائل باعتبارها منظومة متكاملة لا أذكارًا منفصلة؛ فغض البصر يحرس مدخل الشهوة، والصيام يعين من لا يستطيع الزواج، والزواج يحتاج بدوره إلى أسرة متماسكة حتى لا يتحول الخلاف الزوجي إلى ثغرة، والكلمة الحسنة تمنع نزغ الشيطان بين الإخوة، والإنفاق يقاوم تخويفه بالفقر، والذكر يعالج الغفلة، والمحاسبة تكشف العجب والرياء وحب الرياسة، ومعرفة قصر الدنيا تقطع التعلق بها، والإخلاص يقاوم الرياء، أما اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيجعله العلاج الأهم للوسوسة التي تدفع صاحبها إلى تجاوز الهدي المشروع ظنًا أن ذلك زيادة في الاحتياط والعبادة. ويختم بعد سنتين من المراجعة بالتنبيه إلى أن مداخل الشيطان أكثر من أن يحصرها هذا الكتاب، وأن مقصده ليس إدخال القارئ في الشك واليأس ومراقبة كل حركة بوسواس، بل تمكين من اختار نصرة دين الله تعالى من معرفة طرق إبليس حتى يتخلص منها وينطلق إلى العمل، ثم يفتح كتابه للنقد والملاحظة ويختم بطلب من يهديه إلى عيوب عمله.