يورد ابن كثير في هذا الكتاب ما وقف عليه من الأحاديث المسندة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والآثار الموقوفة عليه، مستخرجًا مادته من صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومن مسند أحمد وموطأ مالك ومسند أبي يعلى ومعجم الطبراني ومسند البزار وغيرها من المصنفات. ويرتب هذه المرويات على أبواب الفقه لتسهيل الرجوع إليها، ويبدأ بكتاب الطهارة، مع تقديم حديث هجرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتوالى الأبواب في الصلاة والزكاة والصيد والأضاحي والأطعمة والأشربة والبر والصلة والقصاص والإمامة والتفسير، وينتهي إلى «كتاب الجامع» الذي يضم موضوعات متفرقة. ولا تقتصر المادة على ما رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعًا، بل تشمل ما نُقل من أقواله وأفعاله واجتهاداته؛ ففي الزكاة يورد موقفه من مانعيها، وفي الإمامة ما روي عنه في الخلافة وشؤونها، وفي التفسير آثاره في معاني بعض الآيات وجمع القرآن، إلى جانب أحاديث تتصل بالهجرة والجنائز والحج والأحكام وغيرها.
ويمحّص ابن كثير الروايات في أثناء جمعها، وفق ما صرّح به في مقدمته من بيان صحيحها من ضعيفها ومعلولها من معروفها «بيانًا كافيًا مختصرًا»؛ فيقارن الطرق، وينقل أحكام أئمة الحديث، ويتعقب بعض الأسانيد، وينبّه إلى الانقطاع والإرسال وضعف بعض الرواة والتفرد والخطأ في رفع الحديث أو وصله، وقد يرجح وجهًا على آخر أو يذكر للخبر شواهد تقويه. ففي حديث موضع دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن انقطاع أحد طرقه لأن والد ابن جريج لم يدرك أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي موضع آخر تعقب رواية حسام بن مصك ونقل تضعيف الأئمة له، كما يناقش اختلاف الطرق ولا يكتفي بمجرد عزو الحديث إلى مصدره. ويتصل بالجانب الحديثي بيان بعض المسائل الفقهية المستفادة من الآثار؛ فيذكر اختلاف العلماء في تفسير قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مانعي الزكاة، ويورد ما يتصل بأحكام الإمامة والقصاص والصدقات وغيرها. أما الأحداث التي تحتاج إلى بسط تاريخي، كقتال أهل الردة ومانعي الزكاة ووفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فيحيل في مواضع منها إلى كتاب سيرته الذي جعله بعد الفراغ من المسند، فيبقى هذا الجزء قائمًا أساسًا على جمع مروياته وآثاره، ونقد أسانيدها، وربط ما فيها بأبواب الأحكام.