يحلّل عبد الرحمن بن ناصر السعدي في «الدرة البهية شرح القصيدة التائية» منظومة شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة القضاء والقدر، وهي قصيدة نظمها ابن تيمية جوابًا عن سؤال أُورد عليه يتضمن إشكالًا في الجمع بين تقدير الله للكفر والمعاصي وبين نهيه عنها وعدم رضاه بها، وبين مشيئة الله واختيار العبد ومسؤوليته عن فعله. وقد ذكر السعدي أن متانة المنظومة وصعوبة بعض معانيها دعته إلى شرح متوسط يقوم على التوضيح والبيان والاستشهاد بالأمثلة والشواهد، لا على مجرد تفسير ألفاظ الأبيات. ويبدأ بتقرير أصلين يجمع بهما باب القدر: أن الموجودات وأوصافها وأفعالها داخلة في قضاء الله ومشيئته، وأن أفعال العباد تقع في الوقت نفسه بقدرتهم وإرادتهم واختيارهم، فلا يكون إثبات القدر مستلزمًا للجبر، ولا يكون إثبات اختيار العبد مخرجًا لأفعاله عن مشيئة الله. ثم يشرح مذاهب الطوائف التي انحرفت في هذا الباب، فيعرض القدرية النفاة الذين أخرجوا أفعال العباد عن عموم القدر، والجبرية الذين سلبوا العبد قدرته واختياره، ومن احتجوا بالقدر لتعطيل الأمر والنهي وتبرير المعاصي، ويبين ما يراه من مخالفة كل اتجاه للنصوص والعقل والحس، ثم يقرر أن الله خلق العبد وخلق قدرته وإرادته، وأن العبد هو الفاعل لعمله حقيقة بهذه القدرة والإرادة، ولذلك يستحق المدح والثواب أو الذم والعقاب بحسب اختياره وعمله.
ويتوسع الشرح في بيان عموم علم الله وقدرته ومشيئته، واقتران ذلك بحكمته ورحمته، وأن أفعاله وخلقه ليست صادرة عن مشيئة مجردة من الحكمة، كما يبين الفرق بين الخلق والأمر، وبين المشيئة والمحبة؛ فمشيئة الله تتعلق بكل ما يقع، أما محبته ورضاه فتتعلق بالطاعات وما أمر به، ولذلك لا يكون وقوع المعصية بمشيئته دليلًا على محبته لها أو رضاه بها. ويتناول ارتباط القضاء والقدر بالأسباب، فيقرر أن الأسباب ومسبباتها جميعًا داخلة في القدر، وأن العمل والدعاء والتداوي وطلب الرزق وسائر الأسباب النافعة لا تنافي التوكل ولا الإيمان بالقدر، بل يجتمع الأخذ بها مع الاستعانة بالله. كما يفصل مسألة الاحتجاج بالقدر على الذنوب، ويرده بأن العبد لم يُجبر على المعصية، وأن الاحتجاج بها بعد فعلها يضيف إلى الذنب اتخاذ القدر عذرًا للاستمرار فيه. ثم يناقش الرضا بالقضاء، ويفرق بين القضاء والمقضي وبين المصائب والمعايب؛ فالإيمان والطاعة مما يُرضى به، والكفر والمعصية لا يحل الرضا بهما بل يكرهان وتسلك أسباب إزالتهما بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح، مع كون الجميع واقعًا بقضاء الله من جهة الخلق والتقدير. ويختم بتأكيد أن اختلاف أحوال العباد مرتبط بما يسلكونه من أسباب الخير أو الشر مع بقاء الجميع تحت مشيئة الله، وأن العبد ليس مجبورًا عديم الإرادة، ثم تنتهي المنظومة بعد عرض هذه الأجوبة التي قصد بها حل الإشكال في أصل القدر وبيان اجتماع مشيئة الله مع اختيار الإنسان ومسؤوليته عن عمله.