اختصر ابن كثير كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث في «اختصار علوم الحديث»، قاصدًا جمع مقاصد هذا الفن في كتاب أقصر وأيسر، فاختصر ما بسطه ابن الصلاح، ونظم ما تفرق من مسائله، واستوعب الأنواع التي ذكرها، وأضاف إليها فوائد التقطها من كتاب «المدخل إلى كتاب السنن» للبيهقي الذي كان قد اختصره أيضًا. ولم يلتزم ترتيب ابن الصلاح بحذافيره؛ إذ رأى أن بعض الأنواع يمكن إدماجه في بعض، وأن مسائل متماثلة فُرِّق بينها وكان الأنسب جمع المتناسب منها، فأعاد ترتيب المادة بحسب ما رآه أوفق للاختصار والمناسبة، وأتبع النقل عن ابن الصلاح بتعقيباته التي يفتتحها كثيرًا بقوله «قلت»، فيناقش التعريفات والحدود والأحكام، ويصحح أو يعترض أو يزيد أمثلة وفوائد من معرفته بالحديث ورجاله وكتبه. ولذلك لا يقتصر الكتاب على تلخيص كلام ابن الصلاح، بل تظهر فيه اختيارات ابن كثير ومناقشاته؛ كما في حديثه عن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وتعريف الحسن، والشاذ والمنكر، وحكم المراسيل، وزيادة الثقة، وصحة الأسانيد، ومراتب كتب الحديث، وما في «المستدرك» للحاكم من الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. وقد عُرف الكتاب باسم «اختصار علوم الحديث»، وأطلق عليه أيضًا اسم «الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث».
ويتناول ابن كثير أقسام الرواية ونقد الأخبار من جهتي الإسناد والمتن، فيشرح الصحيح والحسن والضعيف، والمسند والمتصل والمرفوع والموقوف والمقطوع، والمُرسَل والمنقطع والمُعضَل والمدلَّس، والشاذ والمنكر، والمتابعات والشواهد والأفراد وزيادة الثقة، والمعلَّل والمضطرب والمُدرَج والموضوع والمقلوب، مع بيان أثر هذه الأنواع في قبول الحديث وردِّه. ثم يبحث شروط الراوي والجرح والتعديل ومجهول الحال والرواية عن أهل البدع، وطرق تحمُّل الحديث وأدائه من السماع والقراءة والإجازة والمناولة والمكاتبة وغيرها، وضبط ألفاظ الرواية والرواية بالمعنى واختصار الحديث، وآداب المحدِّث وطالب الحديث والرحلة وطلب علو الإسناد. ويعرض بعد ذلك للمشهور والغريب والعزيز والمسلسل، وناسخ الحديث ومنسوخه، والتصحيف ومختلف الحديث والمزيد في الأسانيد، ثم ينتقل إلى العلوم المتعلقة بالرواة أنفسهم؛ كمعرفة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ورواية الأكابر عن الأصاغر والأقران والآباء عن الأبناء وعكسه، والأسماء والكنى والألقاب والأنساب والمبهمات والمؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق، وتواريخ الوفيات، والثقات والضعفاء والمختلطين، والطبقات والموالي وبلدان الرواة وأوطانهم. ويقرن هذه التقسيمات بأمثلة من دواوين السنة وأقوال أئمة النقد، ويوازن بينها عند الاختلاف؛ ففي العلل مثلًا يبين خفاء هذا الفن واعتماده على جمع الطرق ودقة النقاد، وفي مختلف الحديث يفرق بين ما يُجمع بين نصوصه وما يُعرف فيه الناسخ من المنسوخ، وفي معرفة الرجال يجعل الجرح والتعديل طريقًا لمعرفة صحة سند الحديث من ضعفه، حتى ينتهي بالكتاب إلى النوع الخامس والستين المتعلق بأوطان الرواة وبلدانهم وما يترتب على معرفتها من تمييز الشيوخ والرواة المتشابهين.