يجمع كتاب «أخبار أبي القاسم الزجاجي» طائفة واسعة من الأخبار والروايات والفوائد التي رواها أبو القاسم الزجاجي عن شيوخه وأئمة اللغة والأدب، فلا يقتصر على أخبار تتعلق بشخص الزجاجي نفسه كما قد يوحي العنوان، وإنما يمثل مجموعة متنوعة من المرويات الأدبية واللغوية والنحوية والتفسيرية والتاريخية. وتتتابع مادته غالبًا بصيغ الرواية والإسناد من نحو «أخبرنا» و«حدثنا»، عن ابن دريد والأخفش والمبرد وثعلب وابن الأعرابي والأصمعي والزجاج ونفطويه وغيرهم، ثم يعقب الزجاجي في مواضع كثيرة بالشرح والتفسير والتحليل. ويتنقل الكتاب من الخبر والنوادر إلى الشعر، ومنه إلى تفسير لفظ أو بيان اشتقاقه، أو شرح آية أو حديث، أو تحرير مسألة نحوية، ولذلك تتداخل فيه الرواية الأدبية مع الصناعة اللغوية تداخلًا ظاهرًا.
ويحتل الشعر والأخبار الأدبية مساحة كبيرة من الكتاب، فيروي الزجاجي أخبار الشعراء والبلغاء والأعراب والخلفاء والأمراء والقضاة، وما دار بينهم من محاورات ومواقف ونوادر، ويورد ما قيل في المدح والهجاء والغزل والرثاء والحكمة ووصف الخيل والحرب وغيرها. وترد فيه أخبار أبي نواس وأبي العتاهية وذي الرمة وكثير وجميل وليلى الأخيلية ودعبل وابن هرمة وغيرهم، مع رواية أشعارهم وذكر مناسباتها، والموازنة أحيانًا بين أبيات الشعراء وبيان أخذ بعضهم المعاني من بعض. ومن ذلك ما ينقله عن ابن الأعرابي من الطعن في شعر أبي نواس، ثم رواية أبيات له استحسنها ابن الأعرابي قبل أن يعلم قائلها، حتى انتهى إلى الرجوع عن انتقاصه. كما يسجل مجالس يجتمع فيها الشعراء للمفاضلة في أشعارهم، وأخبارًا تكشف أثر الشعر في النفوس ومكانته في مجالس الخلفاء والناس.
ويجعل الزجاجي هذه الأخبار مدخلًا إلى مادة لغوية غزيرة؛ فقلما يمر بلفظ غريب أو تركيب يحتاج إلى بيان إلا شرحه، فيذكر معناه وضبطه واشتقاقه وما يتصرف منه، ويفرق بين الألفاظ المتقاربة أو المتفقة صورة المختلفة معنى، ويستشهد لذلك بالقرآن الكريم والحديث والشعر وكلام العرب. فيشرح مثلًا معاني «الصبر» واستعمالاته المختلفة، ويفرق في أبواب أخرى بين ألفاظ الغصص والشرق والجرض، ويشرح ألفاظ الخيل والإبل والرياح والأطعمة والأمراض وأعضاء البدن وأوصاف الإنسان، ويذكر للكلمة الواحدة معاني متعددة بحسب حركتها أو سياقها. كما يورد ألفاظًا نادرة من كلام الأعراب، ويبين ما كان منها خاصًا بلهجة أو استعمال، وما يستعمل مصدرًا للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، ويكثر من إلحاق الشواهد التي تثبت ما يقرره من دلالات.
ويعرض إلى مسائل النحو والتصريف كلما اقتضتها الرواية أو الشاهد، فلا يفصل النحو عن مادته الأدبية، بل يستخرج المسألة من خبر أو بيت أو آية ثم يشرح وجوهها. ومن ذلك مناقشته قراءة «إن الله وملائكته يصلون على النبي» برفع «ملائكته»، وبيانه أحكام العطف على اسم «إن» وموضعها، والفرق بين العطف قبل تمام الخبر وبعده، وما ذهب إليه البصريون والكوفيون في ذلك. ويتناول كذلك عمل الأدوات وأوجه الإعراب والتقدير والحذف، ويشرح مسائل المصادر والأسماء والجموع، وما اختصت به بعض الصيغ من الاستعمال، كـ«لبيك» و«سعديك» و«حنانيك» و«دواليك»، وما تدل عليه صورة التثنية فيها. ويعقد في بعض المواضع مسائل مستقلة، مثل حديثه عن أفعال المقاربة «عسى» و«كاد» و«كرب» و«جعل» و«أخذ»، والفروق في استعمالها وما يدخل على أخبارها.
ويفسر الزجاجي عددًا من الآيات ويناقش ما يتصل بها من دلالة لغوية أو تركيب نحوي، مستفيدًا من الروايات المأثورة وأقوال المفسرين وأهل اللغة. فيجمع مثلًا خمسة أقوال في معنى «الرقيم» في قصة أصحاب الكهف، بين اللوح والدواة والقرية والوادي والكتاب، ثم يبين ما يختاره أهل اللغة ووجه اشتقاقه. ويتناول قوله تعالى في المشركين: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، فيبحث خبر الموصول، ونوع اللام في «ليقربونا»، وإعراب «زلفى»، ويبين أن اللام لام كي وأن «زلفى» مصدر بمعنى القربى. ويعرض كذلك لمعنى «العرم» في قصة سبأ، واختلاف العلماء فيه، ولألفاظ أخرى من القرآن كـ«الفتنة» و«القنوت» و«الحنيف» و«التخوف»، فيجمع بين التفسير والاشتقاق والشاهد اللغوي.
ويتصل بذلك عنايته بألفاظ الحديث والأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم؛ إذ يورد الرواية ثم يشرح ما فيها من غريب أو تركيب أو استعمال خاص. فقد يفسر الكلمة من جهة أصلها اللغوي، أو يبين كيف استعملت صيغة الفاعل بمعنى المفعول، أو يستخرج من اللفظ معنىً لا يظهر بمجرد القراءة. ومن أمثلة ذلك شرحه «القارصة والقامصة والواقصة» في خبر القضاء المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبيانه أن أصل «الوقص» الدق، وتوجيه مجيء بعض الألفاظ على بناء الفاعل مع إرادة معنى المفعول. كما يتناول ما يروى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، فيفسر ألفاظ الوضاءة والبلج والدعج والأشفار والزجج والقرن وغيرها، بما يجعل الكتاب مصدرًا كذلك لغريب الحديث والأثر.
ويضم الكتاب إلى ذلك أخبارًا تاريخية واجتماعية ودينية كثيرة، تتصل بالصحابة رضي الله عنهم وأخبار العرب في الجاهلية والإسلام، والخلفاء والولاة والقضاة وأهل العلم، فضلًا عن أيام العرب وأنسابهم وعاداتهم ومجالسهم. فيروي أخبارًا عن معاوية وعلي وعثمان وعبد الله بن مسعود وعائشة وأبي بكر رضي الله عنهم، وعن شريح القاضي والحجاج وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، ويورد أخبار إسلام بعض العرب، وقصص الفرسان والشعراء وأهل الجود والحلم والوفاء. ولا يورد الخبر دائمًا لمجرد حكايته، بل كثيرًا ما يتبعه بتفسير مفرداته الغريبة وشرح الصور والأوصاف الواردة فيه، حتى تتحول الحكاية المطولة إلى مادة معجمية تفسر عشرات الألفاظ وتبين دلالاتها واستعمالاتها. ويظهر ذلك بوضوح في الأخبار المطولة التي يفسر عقبها أوصاف الأشخاص والخيل والحرب والمواضع والأدوات لفظًا لفظًا.
ويكشف الكتاب أيضًا عن عناية الزجاجي بالخلاف بين أئمة اللغة والرواية؛ فهو لا يكتفي بإيراد معنى واحد حين يجد في المادة اختلافًا، بل يذكر الأقوال وينسبها إلى أصحابها، وقد يبين ما عليه أهل اللغة أو ما ترجحه دلالة الاشتقاق. ومن ذلك نقله الخلاف في «العبير» بين من جعله الزعفران ومن جعله أخلاطًا يدخل فيها الزعفران، وجمعه الأقوال في «الرقيم» و«العرم»، وموازنته بين روايات الألفاظ والشعر. وقد يتدخل بالنقد الأدبي أيضًا، كما فعل في بعض التشبيهات التي وصفها بالإفراط والخروج عن حد التشبيه المصيب، فيجمع بذلك بين الرواية والحكم اللغوي والذوق الأدبي.
ولا ينتظم الكتاب في أبواب موضوعية تفصل الشعر عن اللغة أو التفسير عن الأخبار، وإنما تقوم بنيته على توالي الروايات والفوائد؛ فقد يعقب قصةً شعر، ثم يتبع الشعر بشرح مفرداته، ثم ينتقل إلى آية أو حديث أو حكاية عن أعرابي أو نحوي، ثم يعود إلى مسألة صرفية أو خبر تاريخي. وهذه الطبيعة الجامعة هي أبرز سماته؛ فهو كتاب أخبار وأدب من جهة، ووعاء لشواهد العربية وغريبها ونحوها وتصريفها من جهة أخرى، وفيه كذلك مادة من التفسير والحديث والسير والأمثال والحكم. ويستمر هذا النسق حتى آخر الكتاب، الذي ينتهي بأخبار وأشعار في الغزل والرثاء والأدب من غير خاتمة موضوعية تفصل فنًا بعينه، بما يؤكد أن غرضه جمع ما روي من نوادر العلم والأدب واللغة أكثر من بناء مصنف ذي أبواب متسلسلة في فن واحد.