
نبذة عن الكتاب:
يُوَجِّه محمد بن صالح العثيمين في هذا الكتاب الدعاة إلى جملة من الصفات والأصول التي تعينهم على تبليغ دين الله تعالى على بصيرة، ويجعل التقوى أصل هذا الزاد، بما تجمعه من العلم والعمل واحتساب الثواب والخوف من العقاب. ويقرر أن صاحب العلم مأمور ببيان ما علمه من شريعة الله تعالى وعدم كتمانه، ثم يخص الداعية بستة أزواد تتصل بعلمه وصبره وحكمته وأخلاقه وصلته بالمدعوين وموقفه ممن يخالفه.
ويجعل العلم أول ما يحتاج إليه الداعية، على أن يكون علمًا صحيحًا مستمدًّا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فما وافقهما من أقوال الناس قُبل، وما خالفهما رُدَّ مهما كانت منزلة قائله. ويحذر من الدعوة على جهل لما يترتب عليها من إضلال الناس وتحريم ما أحل الله تعالى أو إلزامهم بما لم يوجبه عليهم، ويبين أن الدعوة على بصيرة تشمل معرفة الحكم الشرعي الذي يدعو إليه الإنسان، ومعرفة حال المدعو ومستواه العلمي والجدلي، ومعرفة الكيفية المناسبة لتبليغه ومجادلته. ولا يشترط في الداعية أن يبلغ الغاية في جميع العلوم قبل أن يدعو، وإنما يلتزم ألا يبلغ إلا ما علم صحته، وألا يتكلم فيما يجهله.
ويجعل الصبر الزاد الثاني، ويقسمه إلى الصبر على الاستمرار في الدعوة وعدم الملل منها، والصبر على ما يعترضها من معارضة ومجادلة وتشكيك، والصبر على ما يصيب الداعية نفسه من الأذى القولي والفعلي. ويستدل بما لقيه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وما أصاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أذى قومه، ليقرر أن قيام المعارضة لا ينبغي أن يصرف الداعية عن الحق. ومع ذلك يفرق بين الثبات المحمود والإصرار المذموم؛ فإذا ظهر للداعية أن الاعتراض الموجه إليه حق وجب عليه الرجوع إليه، أما إذا كان باطلًا فلا يجعله سببًا لترك دعوته.
ويربط ثمرة الصبر ببقاء الدعوة نفسها لا ببقاء شخص الداعية أو إدراكه نتائج عمله في حياته، فلا يشترط أن يشاهد انتصار ما دعا إليه، وإنما يثابر على تبليغ الحق ويترك العاقبة لله تعالى. ويستحضر ما قاله هرقل عن امتداد أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما وقع بعد ذلك من انتشار دعوته ووصولها إلى البلاد التي كانت تحت سلطان الروم، ليؤكد أن الاعتبار باستمرار الحق الذي يحمله الداعية لا بمجرد حياته الشخصية أو ما يحققه من نتائج عاجلة.
ويفصل في الزاد الثالث، وهو الحكمة، فيجعل مراتب الدعوة متدرجة بحسب حال المخاطب: الحكمة، ثم الموعظة الحسنة، ثم الجدال بالتي هي أحسن، مع اختلاف معاملة من يظهر الظلم والعناد. ويعرف الحكمة بإتقان الأمور ووضعها في مواضعها، ويرفض استعجال انتقال الناس دفعة واحدة من واقعهم إلى حال الكمال؛ مستدلًا بتدرج التشريع في الصلاة والزكاة والصيام، ثم يدعو إلى قبول ما عند المدعو من حق والعمل على إخراجه من الباطل شيئًا فشيئًا، مع التمييز بين الجاهل والمعاند.
ويستخرج صور هذه الحكمة من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع اختلاف أحوال الناس؛ فيذكر الأعرابي الذي بال في المسجد وكيف منعه صلى الله عليه وسلم من التعنيف حتى انتهى ثم علّمه حرمة المسجد برفق، ومعاوية بن الحكم رضي الله عنه حين تكلم في الصلاة جاهلًا بالحكم فلم يكهره النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينهره، والرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان وما جرى معه في الكفارة، ثم يقابل هذه الصور بموقفه صلى الله عليه وسلم من الرجل الذي لبس خاتم الذهب فنزعه من يده وطرحه. ويستدل باختلاف هذه المعاملات على أن الحكمة ليست لينًا مطلقًا ولا شدة مطلقة، وإنما إعطاء كل حال ما يناسبها؛ فالجاهل ليس كالعالم، والمعاند ليس كالمستسلم.
ويجعل حسن الخلق الزاد الرابع، فيطالب الداعية بأن يظهر أثر علمه في اعتقاده وعبادته وهيئته ومعاملاته وسلوكه، وأن يكون عاملًا بما يدعو الناس إليه حتى يكون قوله أقرب إلى القبول. وينبه إلى الخلل الذي يقع حين يدعو الإنسان إلى خصلة ثم يخالفها في عمله، مع مراعاة أن العمل الفاضل قد يترك أحيانًا إلى ما هو أولى منه لمصلحة راجحة، فلا يكون مجرد ترك فعل في حال معينة دليلًا على مخالفة الداعية لما يدعو إليه.
ويخص الزاد الخامس بكسر الحواجز بين الداعية والناس، فينكر أن تحمل كراهية المنكر صاحب الدعوة على الابتعاد عن مرتكبيه والاستنكاف عن مجالستهم أو الوصول إليهم بالنصيحة. فحاجة العصاة والمخالفين إلى الدعوة هي التي تقتضي قصدهم بالتعليم والترغيب والترهيب والصبر على ما قد يلاقيه الداعية منهم، ويستدل بخروج النبي صلى الله عليه وسلم في مواسم الحج إلى المشركين في أماكنهم وعرضه الدعوة عليهم رغم صدهم وأذاهم.
ويجعل الزاد السادس انشراح صدر الداعية لمن خالفه، ولا سيما إذا كان المخالف حسن القصد واتبع ما ظهر له من الدليل. ويفرق بين مسائل الاجتهاد الفرعية التي يسوغ فيها الخلاف وبين مخالفة المعاند الذي يتبين له الحق ثم يصر على الباطل، ويذكر أن المجتهد مأجور على اجتهاده؛ فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد. وعند وقوع النزاع يكون المرجع كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا مجرد رغبة كل طرف في حمل الآخرين على قوله.
ويناقش في هذا السياق ما يقع بين طلاب الحق والدعاة من التفرق والتحزب والتسمي بأسماء تباعد بينهم، ويقرر أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة أو وسيلة للانتقاص والانتقام. ويجعل الطريق إلى تصحيح خطأ المخالف لقاءه ومناقشته بقصد الإصلاح، لا الطعن فيه من وراء ظهره؛ فإن ظهر الحق ورجع إليه انتهى موضع النزاع، وإن أصر على باطل بعد بيانه جاز بيان خطئه والتحذير منه بحسب ما يقتضيه الحال. ويختم بالدعوة إلى اجتماع القلوب على طاعة الله تعالى، والتحاكم إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإخلاص النية في طلب الحق وإصلاح الخطأ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:

