
نبذة عن الكتاب:
يَتَتَبَّع جلال الدين السيوطي في كتاب «شرح شواهد المغني» الشواهد الشعرية التي أوردها ابن هشام الأنصاري في «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب»، فيفردها بالشرح بعد أن كان قد تناولها على وجه مختصر في حاشيته «الفتح القريب» على «مغني اللبيب». وقد فكر أولًا في عمل مطول يورد عند كل شاهد القصيدة كاملة وما يتصل بها من الفوائد، ثم رأى أن ذلك سيطول حتى قدره بأربعة مجلدات، فاختار طريقًا وسطًا يجمع بين بيان الشاهد والتوسع فيما يحتاج إليه من غير استقصاء يفضي إلى الإطناب.
ويجعل لكل شاهد بناءً متكرر العناصر يبدأ بإيراد البيت الذي احتج به ابن هشام، ثم تسمية قائله وبيان سبب القصيدة إذا عُرف، وإلحاق طائفة من أبياتها به. وقد يختار تلك الأبيات لأنها استُشهد بها في مواضع أخرى من «مغني اللبيب»، أو وردت شواهد في كتب النحو والبيان، أو اشتملت على حكمة أو مثل أو نادرة أو وصف بليغ. وإذا كان الشاهد من مقطوعة لا تزيد على عشرة أبيات أوردها كاملة، وقد يورد القصيدة بأسرها إذا كانت قصيرة أو كثر اعتماد ابن هشام على أبياتها.
ويشرح بعد ذلك غريب الألفاظ ومُشْكِل التراكيب، ويبين وجه الاستشهاد النحوي أو اللغوي أو البلاغي، ولا يكتفي بموضع واحد من الإعراب إذا احتمل الكلام أوجهًا مختلفة. ففي شرحه لشاهد الفرزدق «أشارت كليب بالأكف الأصابع» ناقش حذف الجار، واختلاف الرواية بين الجر والرفع، وقلب موقع الفاعل والمفعول، وربط أبيات القصيدة بشواهد أخرى في «حتى» والتغليب وأساليب علم المعاني، ثم أتبع ذلك بترجمة واسعة للفرزدق وأقوال النقاد في منزلته الشعرية.
وتظهر عنايته باختلاف الروايات في أكثر من موضع؛ فيذكر اللفظ الذي رواه أحد الشراح أو أصحاب الدواوين، ثم يقابله بما عند غيره، ويبين أثر اختلاف الرواية في المعنى أو الإعراب أو موضع الاحتجاج. وقد يرجح بينها أو يختار ما يراه أوضح سياقًا، كما صنع في بيت عمر بن أبي ربيعة حين قابل رواية «بسبع رمين الجمر أم بثمان» برواية «بسبع رميت الجمر أم بثمان»، ورأى الثانية أوجه لما فيها من استقامة المعنى وسلامته من التكلف في عود الضمير.
ويضم إلى الصناعة النحوية مادة واسعة في اللغة والشعر؛ فيفسر المفردات، ويبين الاشتقاق والدلالة، ويعرض أقوال الأصمعي والسكري وأبي عبيدة وابن يسعون وغيرهم، ويربط حركة الإعراب أحيانًا بالتصوير الشعري نفسه. ففي بيت ساعدة بن جؤية «كما عسل الطريق الثعلب» يشرح معنى العَسَلان واضطراب الثعلب في سيره، ثم يعرض أوجه عود الضمير ومعنى الكاف وكون «ما» مصدرية، ويربط ذلك بوصف لين الرمح واضطرابه عند الهز.
ولا يفصل السيوطي الشاهد عن قائله، بل يترجم للشاعر في غالب المواضع بما يكشف نسبه وقبيلته وعصره وطبقته، وهل هو جاهلي أو مُخَضْرَم أو إسلامي، وقد يزيد ذكر أخباره وروايته للحديث وصلاته بالخلفاء والشعراء وأقوال النقاد فيه. وتطول بعض هذه التراجم طولًا ظاهرًا، كما في امرئ القيس والفرزدق وأبي ذؤيب الهذلي، فتتحول ترجمة صاحب الشاهد أحيانًا إلى مادة في تاريخ الشعر ونقده وطبقات أهله، مع ذكر اختلاف العلماء في المفاضلة بينهم وأخبار نشأة القصائد ومناسباتها.
ويعتمد في ذلك على شبكة كبيرة من المصادر، منها شروح دواوين امرئ القيس وزهير والنابغة وطرفة وعنترة والأعشى وحسان وجرير والفرزدق وغيرهم، وشروح المفضليات والهذليين والمعلقات والحماسة، وشروح شواهد سيبويه و«الإيضاح» و«إصلاح المنطق» و«الجمل»، فضلًا عن كتب الأمالي والنوادر و«الأغاني» وكتب طبقات الشعراء والمؤتلف والمختلف وأيام العرب وتواريخ المحدثين. ولا يورد هذه المصادر عرضًا، بل يوظفها في نسبة البيت، واستكمال القصيدة، وتصحيح اللفظ، وشرح الغريب، وتعيين عصر الشاعر وطبقته.
ويتبع ترتيب شواهد «مغني اللبيب» نفسه، فيبدأ بشواهد الخطبة، ثم ينتقل إلى الشواهد المرتبطة بأبواب الحروف والأدوات، كهمزة الاستفهام وغيرها، ثم ما يورده ابن هشام في بقية مباحثه. وإذا سبق شرح بيت في موضع متقدم لم يُعِد التفصيل كلما تكرر، بل يحيل إلى شرحه السابق، وهو أمر يتكرر كثيرًا في الأقسام المتأخرة، حيث ترد عبارات مثل «تقدم شرحه في شواهد اللام» أو «تقدم شرحه في شواهد أي المشددة».
وتتداخل في تحليل الشاهد علوم العربية المختلفة؛ فقد يكون أصل استشهاد ابن هشام نحويًا، ثم يستخرج السيوطي من الأبيات مسائل في المعاني والبيان والبديع أو في الاستعمال المعجمي والاشتقاق. ففي شعر أبي ذؤيب مثلًا يعالج حذف المقابل في قوله «فما أدري أرشد طلابها»، ثم يشرح النداء والتنبيه وبعض ضروب البديع والتذييل والتفضيل، كما يناقش غرابة الكلمات وصور الاستعمال ومواقع الأمثال داخل القصيدة.
ويولي نسبة الشعر عناية خاصة؛ لأن حجية الشاهد عند علماء العربية متصلة بمعرفة قائله وعصره، ولذلك يذكر الخلاف في نسبة بعض الأبيات والقصائد، ويستعين بكتب الطبقات والتراجم والمؤتلف والمختلف ودواوين الشعراء لتعيين القائل. وقد تعرض بعض المواضع لتعقبات من المحققين أو المعلقين على نسبة نسبها السيوطي إلى شاعر أو على تحديد طبقته، وهو ما يكشف أن الكتاب لا يقتصر على شرح الإعراب، بل يتناول أيضًا توثيق المادة الشعرية التي أقام عليها النحاة استدلالهم.
وتبرز قيمة هذا المنهج في المواضع التي يجتمع فيها اختلاف النص مع اختلاف التوجيه؛ إذ يسوق السيوطي الروايات المتعددة، ثم يضم إليها تفسير اللغويين، ووجه الاستشهاد عند ابن هشام، وما أورده غيره من شراح الشواهد. ومن ثم تتسع معالجة البيت الواحد لتشمل القصيدة التي ورد فيها، ومعنى مفرداته، وإعرابه، وموضع الحجة منه، وقائله، وطبقته، وما قيل في نسبته أو روايته، مع الاقتصار في الشواهد المتكررة على الإحالة إلى موضع شرحها الأول.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:

