
نبذة عن الكتاب:
يَبحث عبد الرَّحمن بن يحيى المُعلِّمي اليماني في هذه الرسالة نظام الإرث في القرآن الكريم، منطلقًا من الآيات التي نظَّمت انتقال المال بعد الوفاة ومناقشًا دلالات ألفاظها وعلاقتها بعضها ببعض. ويجعل من محاور الرِّسالة الرَّدَّ على الجيراجي في كتابه «الوراثة في الإسلام»، فيفحص استدلالاته بالآيات، ويعارض ما يراه مخالفًا لدلالات اللُّغة والسِّياق والسُّنَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم وقواعد الفرائض، مستعينًا في ذلك بالتَّفسير والحديث واللُّغة وأصول الفقه والنَّظر في انتظام أحكام المواريث.
ويبدأ ببيان ما كان عليه التَّوارث في الجاهليَّة، إذ كانت النِّساء والضَّعفاء والصِّبيان يُحرمون الميراث، وكان المال في الجملة للذُّكور الكبار. ثمَّ يرتِّب الآيات التي انتقل بها الحكم من ذلك الوضع إلى نظام المواريث، مبتدئًا بآية الوصيَّة للوالدين والأقربين، ثمَّ الوصيَّة للزَّوجة، فآيات إثبات النَّصيب للرِّجال والنِّساء، وآية الكلالة، وآية الموالي، وآيات أولي الأرحام، وآية الشَّهادة على الوصيَّة، ويتَّخذ هذا التَّرتيب أساسًا لتفسيرها ومناقشة ما يتعلَّق بها من أحكام.
ويُفصِّل معنى آية الوصيَّة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فيبحث معنى «الخير» ومقدار المال الذي تتعلَّق به الوصيَّة، ثمَّ يحلِّل لفظ «الوصيَّة» وتعديته باللَّام، ودلالة «الوالدين» و«الأقربين». ويقرِّر أنَّ آيات الميراث نسخت حكم الوصيَّة للوالدين، وأنَّ حكمها منسوخ كذلك في بقيَّة الأقربين، وأُقيم مقام ذلك ما شُرع لذوي القربى غير الوارثين عند حضور قسمة التَّركة.
ويَستقصي دلالة «الأقربين» استقصاءً لغويًّا وتفسيريًّا؛ فيعرض المعاني المحتملة للَّفظ، ويوازن بينها باستعمال القرآن الكريم وكلام أهل اللُّغة والأحاديث وآثار السَّلف. ويرجِّح أنَّ المراد جماعة القرابة الأدنين الذين ينتسبون إلى أقرب فصيلةٍ تختصُّ باسم، لا مجرَّد أقرب شخصٍ إلى الميِّت، ويناقش ما يترتَّب على اختلاف تفسير هذا اللَّفظ من دخول بعض الأقارب في الاستحقاق أو خروجهم منه. ويستعمل هذا التَّحرير في نقد تفسير الجيراجي للأقربين وما بناه عليه من قواعد في توريث بعض الأقارب وحجب بعضهم.
ويَنتقل إلى قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾، فيجعلها إبطالًا لعادة الجاهليَّة في حرمان النِّساء والصِّبيان، ويبيِّن أنَّ إثبات النَّصيب فيها إثباتٌ لأصل الاستحقاق، أمَّا تفاصيل المستحقِّين ومقادير أنصبائهم وشروط إرثهم فتأتي في النُّصوص المفصِّلة. ولذلك يرفض أن يُستدلَّ بمجرد اقتران الرِّجال والنِّساء في الآية على تماثل جميع أحكام إرثهم، ويميِّز بين إثبات حقِّ الفريقين في الجملة وبين اتِّحاد مقادير الأنصبة وشروط الاستحقاق في كلِّ صورة.
ويَربط بين هذه الآية ونسخ حكم الوصيَّة، مستدلًّا بانتقال التَّشريع من الوصيَّة «بالمعروف» التي يُترك فيها تقدير المقدار إلى الموصي، إلى «نصيبًا مفروضًا» حدَّده الله عزَّ وجلَّ، ومن تعلُّق الوصيَّة بالمال الكثير إلى ثبوت الميراث فيما قلَّ من المال أو كثر. ثمَّ يفسِّر الأمر بإعطاء أولي القربى واليتامى والمساكين الحاضرين عند القسمة بما يحفظ لذوي القرابة غير الوارثين وجهًا من الإحسان بعد زوال حكم الوصيَّة السَّابق.
ويُحلِّل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فيجعل وصيَّة الله عزَّ وجلَّ مقدَّمةً على ما كان للمورِّث من التَّصرُّف في تقسيم ماله، ويستخرج من صياغة الآية وجوهًا تدلُّ على انتقال الحكم إلى الأنصبة المفروضة. ثمَّ يبحث دلالة «الأولاد» و«الذَّكر» و«الأنثيين»، ويفرِّق بين المعنى الأصليِّ للَّفظ وما قد يدخل فيه بدلالة السِّياق، ويناقش دخول البنات وأبناء الأبناء في ألفاظ الآية، وما يحتاج في إثبات أحكامهم إلى دلالةٍ تتجاوز مجرَّد الاشتقاق اللُّغويِّ.
ويَتتبَّع أنصبة الأولاد والأبوين والأزواج والإخوة وما يتعلَّق بالكلالة، ويناقش دلالة الفروض المقدَّرة من النِّصف والرُّبع والثُّمن والثُّلث والثُّلثين والسُّدس، وما يجتمع منها في المسألة الواحدة. ويعالج قواعد الحجب والتَّعصيب، وصلتها بدرجات القرابة، ويفرِّق بين أصحاب الفروض الذين عيَّن الشَّرع أنصباءهم والعَصَبة الذين يكون استحقاقهم لما يبقى بعد الفروض، مستعملًا هذا الفرق في تفسير عددٍ من صور اجتماع الورثة.
ويُطيل النَّظر في ميراث الأبوين، ولا سيَّما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ويعرض الخلاف في المسألتين اللَّتين يجتمع فيهما أحد الزَّوجين مع الأبوين: هل تأخذ الأمُّ ثلث جميع التَّركة أم ثلث الباقي بعد فرض الزَّوج أو الزَّوجة. ويتتبَّع دلالة تركيب الآية، ويناقش حجج ابن عبَّاس رضي الله عنهما وحجج جمهور الصَّحابة رضي الله عنهم، وما نُقل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، ثمَّ يوازن بين الاحتمالات اللُّغويَّة وبين انتظامها مع بقيَّة أحكام الفرائض.
ويَبحث كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وما يترتَّب على وجود الإخوة من إنقاص نصيب الأمِّ، ويناقش هل يتحقَّق ذلك بأخوين أم لا بدَّ من ثلاثةٍ فأكثر. ويعرض اعتراض ابن عبَّاس رضي الله عنهما على حمل لفظ الجمع على الاثنين، وما نُقل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه في استعمال العرب، ثمَّ يقارن المسألة بما استقرَّ في الفرائض من عدم التَّفريق في جملةٍ من الأحكام بين الاثنين وما فوقهما.
ويُناقش الكلالة وما يتعلَّق بإرث الإخوة والأخوات، ويفحص دلالة الآيات التي بيَّنت ميراث الإخوة لأمٍّ وميراث الإخوة والأخوات من غيرهم، وما يترتَّب على وجود الأصول أو الفروع من حجبهم. كما يتناول صور اجتماع أصحاب الفروض والعَصَبات، وما يقع عند استغراق الفروض للتَّركة، ويستعمل الفرق بين الفرض والتَّعصيب في تفسير استحقاق الأب والإخوة وغيرهم.
ويَجعل أصحاب الفروض بمنزلة أصحاب الحقوق المقدَّرة في التَّركة، بينما يكون العَصَبة أولياء الميِّت الذين يستحقُّون ما يبقى بعد استيفاء تلك الحقوق؛ ولذلك قد يحوز العاصب مالًا كثيرًا، وقد لا يبقى له شيء. ويطبِّق هذا المعنى على بعض المسائل المختلف فيها، ومنها «المشتركة»، مبيِّنًا وجه تقديم الفروض على استحقاق العَصَبة، ومناقشًا الاعتراضات التي تنشأ من استغراق أصحاب الفروض جميع التَّركة.
ويَعتمد في مناقشاته على تحليل ألفاظ القرآن الكريم وسياق الآيات، ومقارنة المواضع القرآنيَّة بعضها ببعض، ثمَّ الاستعانة بالسُّنَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم وأقوال أهل التَّفسير والفرائض واللُّغة والأصول. ولا يكتفي بإيراد الأحكام المشهورة في علم الفرائض، بل يعيد فحص الأدلَّة التي بُنيت عليها، ويعرض الاحتمالات التي يحتملها اللَّفظ، ثمَّ يختبرها بما يترتَّب عليها من أحكام في بقيَّة مسائل الإرث، ولا سيَّما عند مناقشة الاستدلالات التي أقام عليها الجيراجي تصوُّره لنظام الوراثة في الإسلام.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها: