
محمد سعيد رمضان البوطي
محمَّد سعيد رمضان البوطي، فقيه وأصولي ومفكِّر إسلامي سوري، وأستاذ سابق بكلِّيَّة الشريعة في جامعة دمشق وعميد سابق لها، عُنِيَ بالفقه وأصوله والعقيدة والسيرة النبويَّة والتفسير والتصوُّف والفكر الإسلامي وقضايا الحضارة. كان شافعيَّ المذهب، أشعريَّ العقيدة، ومثَّل اتِّجاهًا محافظًا مدافعًا عن المذاهب الفقهيَّة المعتبرة. وُلِدَ سنة 1347هـ الموافق 1929م في قرية جيلكا التابعة لجزيرة ابن عمر المعروفة بجزيرة بوطان، في منطقة تقع عند الحدود المتقاربة بين تركيا وسوريا والعراق، ونشأ في أسرة كرديَّة.
هاجر مع والده مُلَّا رمضان البوطي إلى دمشق سنة 1933م، وكان في الرابعة من عمره. وكان والده من أكثر الشخصيَّات أثرًا في تكوينه العلمي والتربوي، فتلقَّى عنه منذ صغره مبادئ العقيدة والسيرة النبويَّة والنحو والصرف والفقه والأصول، وحفظ «ألفيَّة ابن مالك» قبل البلوغ، كما دَرَسَ عليه البلاغة والمنطق و«شرح جمع الجوامع». وتعلَّم قراءة القرآن الكريم في طفولته، وأكثر بعد ذلك من تلاوته حتى رسخت في ذاكرته سور وآيات كثيرة.
تُوُفِّيَت والدته وهو في الثالثة عشرة من عمره، ثمَّ تزوَّج والده امرأة من أسرة تركيَّة، فأتقن إلى جانب العربيَّة والكرديَّة قدرًا من اللغة التركيَّة، وألمَّ كذلك بالإنجليزيَّة.
التحق في طفولته بمدرسة ابتدائيَّة في حي ساروجة بدمشق، ثمَّ انتقل بعد المرحلة الابتدائيَّة إلى جامع منجك، حيث لازم حسن حبنَّكة الميداني والتحق بمعهد التوجيه الإسلامي. أمضى في المعهد نحو 6 سنوات، وتلقَّى فيه العلوم الشرعيَّة والعربيَّة، وبدأ الخطابة في أحد مساجد حي الميدان وهو في نحو السابعة عشرة من عمره.
برزت ميوله الأدبيَّة في شبابه، فأقبل على قراءة كتب مصطفى صادق الرافعي والجاحظ والعقَّاد والمازني ومقامات الحريري، ونشر سنة 1952م مقالًا بعنوان «أمام المرآة» في مجلَّة «التمدُّن الإسلامي». كما نقل عن الكرديَّة قصَّة «ممو زين» وصاغها بالعربيَّة في قالب أدبي روائي، وكانت من أوائل أعماله الأدبيَّة.
أتمَّ دراسته في معهد التوجيه الإسلامي سنة 1953م، ثمَّ توجَّه إلى القاهرة لاستكمال دراسته في الأزهر، وحصل على الإجازة في الشريعة من كلِّيَّة الشريعة سنة 1955م، ثمَّ نال دبلوم التربية من كلِّيَّة اللغة العربيَّة سنة 1956م.
عمل مُدرِّسًا للتربية الدينيَّة في حمص سنة 1958م، ثمَّ عُيِّنَ معيدًا في كلِّيَّة الشريعة بجامعة دمشق سنة 1960م. وأُوفِدَ إلى جامعة الأزهر لمتابعة دراسته العليا، فحصل سنة 1965م على الدكتوراه في أصول الشريعة، وكانت أطروحته «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميَّة».
عُيِّنَ بعد حصوله على الدكتوراه مُدرِّسًا في كلِّيَّة الشريعة بجامعة دمشق سنة 1965م، ثمَّ تدرَّج في السلك الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا، وعُيِّنَ وكيلًا للكلِّيَّة سنة 1975م، ثمَّ عميدًا لها سنة 1977م، وتولَّى بعد ذلك رئاسة قسم العقائد والأديان. واستمرَّ في التدريس بالجامعة بعد تقاعده من خلال التعاقد معها.
جمع إلى عمله الجامعي نشاطًا واسعًا في التدريس العام، فكانت له دروس أسبوعيَّة في مسجد السنجقدار، ثمَّ انتقل بسبب كثرة الحضور إلى مسجد تنكز، وبعده إلى مسجد الإيمان في دمشق. كما دَرَّسَ في مسجد والده وفي الجامع الأموي، وكان من أشهر دروسه شرحه لـ«الحكم العطائيَّة» لابن عطاء الله السكندري، إلى جانب دروسه في التفسير والسيرة والعقيدة والفقه.
شارك في مؤتمرات وندوات علميَّة وفكريَّة في دول عربيَّة وغربيَّة، وألقى سنة 1991م محاضرة في البرلمان الأوروبي بستراسبورغ عن حقوق الأقليَّات في الإسلام. كما شارك بصفة مستشار في بعض اجتماعات المجمع الفقهي الإسلامي، وكان عضوًا في هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسَّسات الماليَّة الإسلاميَّة، ومؤسَّسة آل البيت للفكر الإسلامي في عمَّان، والمجلس الأعلى لأكاديميَّة أكسفورد، والمجلس الاستشاري الأعلى لمؤسَّسة طابة في أبوظبي، وغيرها من الهيئات.
تولَّى كذلك الإشراف على النشاط العلمي في الجامع الأموي بدمشق، ورئاسة اتِّحاد علماء بلاد الشام. واختارته جائزة دبي الدوليَّة للقرآن الكريم سنة 2004م «شخصيَّة العالم الإسلامي»، كما أُدرِجَ سنة 2012م ضمن قائمة الشخصيَّات الإسلاميَّة الأكثر تأثيرًا التي أصدرها المركز الإسلامي الملكي للدراسات الاستراتيجيَّة في الأردن.
اتَّسم مشروعه العلمي بالدفاع عن الفقه المذهبي والعقيدة الأشعريَّة، ونقد الاتجاهات التي رأى أنَّها تتجاوز البناء المذهبي الموروث أو تحوِّل الانتساب إلى السلف إلى مذهب مستقل. وعبَّر عن ذلك في كتابيه «اللامذهبيَّة أخطر بدعة تهدِّد الشريعة الإسلاميَّة» و«السلفيَّة مرحلة زمنيَّة مباركة لا مذهب إسلامي».
واهتمَّ كذلك بمناقشة الفلسفات المادِّيَّة والإلحاديَّة، وبحث قضايا العقيدة والفكر والحضارة، فكتب «كبرى اليقينيَّات الكونيَّة»، و«نقض أوهام المادِّيَّة الجدليَّة»، و«المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة»، و«أوربة من التقنيَّة إلى الروحانيَّة: مشكلة الجسر المقطوع»، و«التعرُّف على الذات هو الطريق المعبَّد إلى الإسلام».
وعُنِيَ بالفقه وأصوله وقضايا الاجتهاد المعاصر، فكتب «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميَّة»، و«محاضرات في الفقه المقارن»، و«قضايا فقهيَّة معاصرة»، و«مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجًا»، و«مع الناس: مشورات وفتاوى»، و«المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الربَّاني».
وكان للسيرة النبويَّة والقرآن الكريم والتربية الروحيَّة جانب كبير من إنتاجه، فمن أشهر كتبه «فقه السيرة النبويَّة مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة»، و«من روائع القرآن الكريم»، و«منهج الحضارة الإنسانيَّة في القرآن»، و«لا يأتيه الباطل»، و«برنامج دراسات قرآنيَّة»، و«شرح وتحليل الحكم العطائيَّة» في 4 أجزاء، و«الحب في القرآن ودور الحب في حياة الإنسان»، و«من سنن الله في عباده».
وله كذلك «هذا والدي» في سيرة والده مُلَّا رمضان البوطي، و«شخصيَّات استوقفتني»، و«من الفكر والقلب»، و«هذه مشكلاتنا»، و«هذه مشكلاتهم»، و«يغالطونك إذ يقولون»، و«الإسلام ملاذ كلّ المجتمعات الإنسانيَّة»، و«عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها»، و«دفاع عن الإسلام والتاريخ»، و«حقائق عن نشأة القوميَّة»، و«في الحديث الشريف والبلاغة النبويَّة»، و«دور الأديان في السلام العالمي». وبلغ مجموع مؤلَّفاته أكثر من 60 كتابًا، وتُرجِمَ عدد منها إلى لغات متعدِّدة.
وأثار كتابه «الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟» جدلًا واسعًا بسبب موقفه الرافض لاعتماد العنف وسيلةً للتغيير، وتشديده على ضوابط الخروج على الحاكم ومفهوم الجهاد.
وكانت له منذ ثمانينيَّات القرن العشرين صلة بالسلطة السوريَّة، ولا سيَّما في عهد حافظ الأسد، والتقاه في عدد من المناسبات. ونُسِبَ إلى هذه اللقاءات تدخُّله في قضايا تتعلَّق بالمعتقلين والمعاهد الشرعيَّة والكتب والشؤون الدينيَّة، في حين عرَّضته علاقته بالسلطة لانتقادات من معارضيها.
وازداد الجدل حوله مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا سنة 2011م؛ إذ رفض التظاهر والحراك المسلَّح، وحذَّر من الفوضى والفتنة والتدخُّل الخارجي، وانتقد بعض الداعين إلى الثورة، ودافع في مناسبات متعدِّدة عن الدولة والجيش السوريين، مع تأكيده في الوقت نفسه حرمة قتل المتظاهرين. ورأى معارضوه في مواقفه دعمًا للسلطة وتبريرًا لسياساتها، بينما رأى مؤيِّدوه أنَّه كان يسعى إلى منع سفك الدماء والحيلولة دون تحوُّل الأزمة إلى اقتتال واسع.
قُتِلَ مساء الخميس 9 جمادى الأولى سنة 1434هـ الموافق 21 مارس 2013م أثناء إلقائه درسًا في تفسير القرآن الكريم في مسجد الإيمان بحي المزرعة في دمشق، وقُتِلَ معه عدد من الحاضرين، بينهم أحد أحفاده. وتعدَّدت الروايات بشأن كيفيَّة مقتله والجهة المسؤولة عن العملية، وتبادلت السلطات السوريَّة ومعارضوها الاتِّهامات، في حين أدان مقتله عدد كبير من المؤسَّسات والهيئات والشخصيَّات الإسلاميَّة والسياسيَّة.
شُيِّعَ يوم السبت 23 مارس 2013م، وصُلِّيَ عليه في الجامع الأموي بدمشق، ثمَّ دُفِنَ إلى جوار ضريح صلاح الدين الأيوبي بالقرب من الجامع الأموي.
كتب محمد سعيد رمضان البوطي PDF
