
عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني
عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، ويقال الجيلاني أو الكيلاني، أبو محمد، المعروف بمحيي الدين عبد القادر الجيلاني: فقيه حنبلي وواعظ وزاهد، ومن مشاهير شيوخ بغداد، وإليه تنتسب الطريقة القادرية. واختلفت الروايات في تمام نسبه، ورفعه بعض المؤرخين إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما. كما اختُلف في سنة مولده، فقيل سنة 470هـ، وقيل سنة 471هـ، واختُلف في موضع ولادته بين جيلان الواقعة وراء طبرستان وموضع يسمى جيلًا أو جيلان بالقرب من المدائن.
نشأ في طلب العلم، ثم رحل شابًا إلى بغداد سنة 488هـ، وكانت يومئذ من أكبر مراكز العلم. فتفقه على أبي سعيد المبارك المخرمي وأبي الخطاب الكلوذاني، وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، وصحب حماد الدباس. وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني، وجعفر السراج، وأحمد بن المظفر بن سوس، وأبي القاسم بن بيان، وأبي سعد بن خشيش، وأبي طالب اليوسفي وغيرهم، وبرع في المذهب والخلاف والأصول، واشتغل بالحديث والأدب وعلوم الشريعة.
أقام في مدرسة شيخه أبي سعيد المخرمي بباب الأزج، وظهر للناس واعظًا بعد سنة 520هـ، وكانت له مجالس منتظمة للوعظ، فأقبل عليه الناس وانتشر ذكره. وبعد وفاة شيخه تولى مدرسته وجلس فيها للتدريس والفتوى، وكثر طلابه حتى ضاقت بهم المدرسة، فوسعت وتم بناؤها سنة 528هـ وصارت منسوبة إليه. وكان يدرّس التفسير والحديث والفقه والخلاف والأصول واللغة والقراءات.
اشتهر بالوعظ والزهد والتمسك بالشريعة، ووصفه عبد الكريم السمعاني بأنه إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح كثير الذكر والفكر. وذكر ابن تيمية عنايته بالتزام الشرع وتقديمه على الذوق والهوى، كما وصفه الذهبي بالإمام العالم الزاهد وشيخ بغداد. واتسعت شهرته في التدريس والفتوى والوعظ، وانتفع به خلق كثير من أهل بغداد وغيرها.
وروى عنه جماعة من العلماء، منهم عبد الكريم السمعاني، وعبد الغني المقدسي، وموفق الدين ابن قدامة، وعمر بن علي القرشي، وعلي بن إدريس، وأحمد بن مطيع، كما روى عنه ولداه عبد الرزاق وموسى وغيرهما. وكان لعدد من أولاده اشتغال بالعلم والحديث والفقه، ومنهم عبد الوهاب وعبد الرزاق وعيسى وعبد العزيز وعبد الجبار وإبراهيم ويحيى وموسى.
نُسبت إليه مؤلفات كثيرة في الوعظ والسلوك والآداب والعلوم الشرعية، وأشهر ما ذكر له «الغنية لطالبي طريق الحق»، و«فتوح الغيب»، وهو مجموعة من المواعظ قيل إن ابنه عبد الرزاق جمعها، و«الفتح الرباني والفيض الرحماني» الذي يضم مجالس في الوعظ والإرشاد، و«جلاء الخاطر». ونُسبت إليه كذلك كتب ورسائل أخرى مثل «الرسالة الغوثية»، و«سر الأسرار»، و«الدلائل القادرية»، و«بشائر الخيرات»، غير أن نسبة بعض الكتب المتداولة باسمه ليست على درجة واحدة من الثبوت، بل إن «الفيوضات الربانية» ليس من تأليفه وإن اشتمل على أوراد وأدعية منسوبة إليه، وأن «الرد على الرافضة» المنسوب إليه هو لمحمد بن وهب.
كان شديد العناية بالوعظ وتربية طلابه على التزام الشرع، ومن كلامه المروي في ذلك الحث على الاتباع وترك الابتداع، كما نُقل عنه أنه إذا أخطأ الشيخ نُبّه إلى خطئه، فإن لم يرجع تُرك قوله واتبع الشرع. واقترنت شهرته بالزهد والتصوف والوعظ، حتى صارت الطريقة القادرية منسوبة إليه وانتشرت بعده في أقاليم متعددة.
توفي عبد القادر الجيلاني ببغداد سنة 561هـ، والمشهور أن وفاته كانت في ربيع الآخر، فقيل ليلة السبت 10 ربيع الآخر، وورد في بعض المصادر 8 ربيع الآخر. وصلى عليه ابنه عبد الوهاب في جماعة من أولاده وأصحابه، ودُفن في مدرسته ببغداد، وكان قد بلغ نحو 90 سنة.
كتب عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني PDF
