أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد الحضرمي الإشبيلي، المعروف بابن عصفور: نحوي ولغوي وأديب أندلسي، ومن كبار المشتغلين بعلوم العربية في عصره. وُلد بإشبيلية، والمشهور أن مولده كان سنة 597هـ، وورد في بعض المصادر أنه وُلد سنة 577هـ.
أخذ العربية والأدب عن جماعة من علماء الأندلس، وكان أبرز شيوخه أبو علي الشلوبين عمر بن محمد الأزدي، الذي لازمه نحو 10 سنين وقرأ عليه «كتاب سيبويه»، كما أخذ عن أبي الحسن الدباج علي بن جابر اللخمي. وبرع في علوم العربية حتى تصدر للإقراء والتدريس، وعُرف بقوة الحفظ والإتقان، وفصاحة اللسان، وطول الصبر على المطالعة.
أقرأ العربية في عدد من مدن الأندلس، منها إشبيلية وشريش ومالقة ولورقة ومرسية، وأقبل عليه الطلاب. وكان يملي كثيرًا من مصنفاته من حفظه، ثم انتقل إلى بلاد المغرب، فأقام بمراكش وبجاية وغيرهما، ووصل إلى تونس، وحظي عند المستنصر بالله الحفصي، واتصل بمجالسه، وشُجع على الإقراء والتعليم. وتنقل بعد ذلك بين الأندلس والمغرب، ثم استقر في تونس في أواخر حياته.
أخذ عنه جماعة من أهل العلم والأدب، منهم أبو الفضل قاسم بن علي الصفار البطليوسي، وأبو عثمان سعيد بن حكم القرشي، وأبو عبد الله محمد بن علي المعروف بالشلوبين الصغير، وعلي بن موسى بن سعيد الغرناطي، وذُكر في الآخذين عنه أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، كما ذُكر من تلاميذه يحيى اليفريني، والحسن بن عبد الرحمن بن عذرة وغيرهما.
ترك ابن عصفور عددًا كبيرًا من المصنفات، غلب عليها النحو والصرف وشرح كتب العربية والشعر. ومن أشهرها «المقرَّب» في النحو، الذي صنفه للأمير يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي، ثم شرع في شرحه ولم يتمه، وله «مُثُل المقرَّب» في شرح ما استشكله من أمثلته ومسائله. ومن كتبه أيضًا «الممتع في التصريف»، وقد زاد فيه بعد تأليفه الأول حتى عُرف بـ«الممتع الكبير»، و«ضرائر الشعر».
وله 3 شروح على «الجمل» للزجاجي: كبير ومتوسط وصغير، وعُرف الشرح الكبير باسم «أحكام ابن عصفور». وله كذلك «البديع» في شرح المقدمة الجزولية، و«شرح الإيضاح» لأبي علي الفارسي، و«شرح أبيات الإيضاح»، وشرح على «كتاب سيبويه»، و«شرح الحماسة»، و«شرح ديوان المتنبي»، و«شرح الأشعار الستة» التي تضم أشعار امرئ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى وعلقمة الفحل وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد.
ومن آثاره أيضًا «شرح ديوان امرئ القيس»، و«سرقات الشعراء»، و«مختصر المحتسب»، و«المفتاح»، و«الأزهار»، و«إنارة الدياجي»، و«مختصر الغرة»، و«مفاخرة السالف والعذار»، و«مقدمة في النحو» وشرحها، و«الهلال» أو «الهلالية». ونُسبت إليه كتب أخرى لم تثبت نسبتها بالدرجة نفسها، منها «إيضاح المشكل»، و«السلك والعنوان ومرام اللؤلؤ والعقيان»، و«المقنع في النحو»، ومنظومة في النحو.
وكانت طريقته في النحو تقوم على النظر في أقوال البصريين والكوفيين وغيرهم، وترجيح ما يراه مؤيدًا بالدليل، مع استقلاله أحيانًا ببعض الأحكام والتعليلات. ولم يكن مجرد ناقل لأقوال السابقين، بل ناقشها وتعقبها، وكانت كتبه موضع شرح واختصار وتعقب عند من جاء بعده؛ فاختصر أبو حيان «المقرب» و«أحكام ابن عصفور»، كما تعقب ابن مالك وأبو حيان عددًا من مسائله في «الممتع» وغيره.
وكان له اشتغال بالأدب والشعر إلى جانب النحو والصرف، وشرح عددًا من الدواوين والمختارات الشعرية، وله مقطوعات شعرية، ومن المنقول عنه:
لما تدنست بالتفريط في كبري
وصرت مغرى بشرب الراح واللعس
رأيت أن خضاب الشيب أستر لي
إن البياض قليل الحمل للدنس
اختلفت الأخبار في سنة وفاته وسببها؛ فالمشهور أنه توفي بتونس سنة 669هـ، وقيل سنة 663هـ. كما اختلفت الروايات في سبب موته، فورد أنه أصيب عقب حادثة وقعت له في مجلس السلطان، ووردت أخبار أخرى مختلفة في ذلك، فلا يمكن الجزم بسبب وفاته من الروايات المذكورة. ودُفن بتونس.