أبو الحسن علي بن أحمد بن خمير السبتي الأموي: فقيه مالكي أصولي، وله عناية باللغة والأدب والشعر وعلم الكلام. وُلد بمدينة سبتة في عهد الموحدين، ولم تذكر المصادر تاريخ مولده على وجه التحديد، وقد قُدِّر بنحو منتصف القرن السادس الهجري، قرابة سنة 550هـ. نشأ بسبتة، فحفظ القرآن، ثم تلقى ما كان يدرس بها من علوم العربية واللغة والشعر والعلوم الشرعية. وأخذ عن جماعة من علماء عصره، منهم أبو محمد عبد الله بن محمد الحجري المعروف بأبي عبيد، وأبو القاسم عبد الرحمن بن علي القَرَّاف المعروف بالخراز، ومحمد بن عامر بن محمد بن عبادة الأنصاري، وأبو عبد الله ابن زرقون، وأبو العباس العزفي. وأخذ عنه جماعة، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأزدي السبتي، وأبو عبد الله محمد بن سعيد ابن الطراز الغرناطي.
اشتهر ابن خمير بعنايته بعلم العقائد والكلام، وبالدفاع عن مشروعية النظر والاستدلال الكلامي في مواجهة من كان يرفض هذا العلم. وعرض موقفه مفصلًا في كتابه «مقدمات المراشد في علم العقائد»، فناقش المعترضين على علم الكلام، ورأى أن موضوعه من إثبات توحيد الله وصفاته وتنزيهه، وإثبات النبوة والمعجزات وتمييز الصادق من الكاذب، وبيان ما يجب على المكلف وما يمتنع عليه، مما لا يصح أن يكون مذمومًا في أصله. ورد على الاحتجاج بأن الصحابة والسلف لم يستعملوا اصطلاحات المتكلمين، مبينًا أن عدم استعمالهم لهذه المصطلحات إنما كان لعدم الحاجة إليها، وأن ظهور الفرق والبدع وما تبعها من الجدل أوجب -في نظره- تدوين الحجج والبراهين التي يُدفع بها عن العقيدة. وربط نشأة التأليف الكلامي بانتشار الخلاف والفرق، وعدَّ أبا الحسن الأشعري ممن استقر على يديه تدوين عقائد أهل السنة ونشرها، ولذلك كان ابن خمير من المدافعين عن المذهب الأشعري وعلم الكلام القائم عليه.
وتناول كذلك مسألة التقليد وإيمان العامة، فرأى أن التقليد المذموم القائم على الظن لا يصلح أصلًا في الاعتقاد، ثم ناقش الخلاف بين المتكلمين في حكم إيمان العوام، وهل يكفيهم الجزم أم يلزمهم الاستدلال التفصيلي. وذكر اختلاف أهل الكلام في ذلك، فلم يسوِّ بين جميع العامة في حكم واحد، بل قسمهم إلى أصناف، ورأى أن وصف عامة المسلمين جميعًا بالتقليد والظن في توحيدهم فيه ظلم لهم وانتقاص من إيمانهم.
وله عدد من المصنفات، أشهرها «مقدمات المراشد في علم العقائد»، و«تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء»، و«شرح سورة الكهف»، وكتاب «الوصية» وهو مفقود، خصصه لنقد طائفة من المتصوفة والمنتسبين إلى التصوف ممن رأى فيهم انحرافًا أو اتخاذ التصوف وسيلة لخداع الناس وأكل أموالهم. وتوفي سنة 614هـ الموافق 1217م.