أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى النايلي الشاوي الملياني الجزائري المالكي: مفسر وفقيه وأديب، وُلد بمدينة مليانة نحو سنة 1030هـ، ونشأ بالجزائر، وطلب العلم في مليانة والجزائر على جماعة من علمائها، منهم محمد بن محمد بهلول، وسعيد قدورة مفتي الجزائر، وعلي بن عبد الواحد السجلماسي، وأبو مهدي عيسى الثعالبي وغيرهم، وروى عنهم الحديث والفقه وسائر العلوم، وأجازوه. ثم تصدر للإفادة في بلده، واشتهر بقوة الحفظ وسرعة الاستحضار والتبحر في التفسير والفقه والأصول والنحو والبلاغة والمنطق.
قدم مصر سنة 1074هـ قاصدًا الحج، فلما قضى حجه عاد إلى القاهرة، واجتمع بعلمائها وأخذ عن سلطان المزاحي، ومحمد البابلي، وعلي الشبراملسي وغيرهم، وأجازوه بمروياتهم. ثم تصدر للإقراء في الأزهر، فقرأ «مختصر خليل»، وشرح المرادي على «الألفية»، وعقائد السنوسي وشروحها، وكتبًا في المنطق وغيرها، واجتمع عليه الطلاب. ثم رحل إلى دمشق، وعقد بالجامع الأموي مجلسًا حضره علماؤها، وقرأ عليه جماعة واستجازوه، ثم توجه إلى بلاد الروم، فاجتمع بعلمائها، وأكرمه شيخ الإسلام يحيى المنقاري، وشارك في مجالس البحث التي كانت تعقد بحضرة السلطان، فاشتهر علمه هناك. وعاد إلى مصر فتولى التدريس في الأشرفية والسليمانية والصرغتمشية وغيرها.
عاد بعد ذلك إلى بلاد الروم، وأقرأ بها جماعة من العلماء، منهم محمد أمين المحبي، وزين الدين البصري، وعبد الرحمن المجلد، وأبو المواهب سبط العرضي، فقرأوا عليه في تفسير البيضاوي والبلاغة والنحو والعقائد، وأجازهم بمروياته. ثم رجع إلى مصر وصرف أوقاته إلى التدريس والتأليف. وأخذ عنه أيضًا جماعة، منهم علي النوري، وعبد العزيز الفراتي الصفاقسي، وأحمد بن مصطفى برناز، وأحمد بن مصطفى الصباغ وغيرهم. وكان قويًّا في البحث والمناظرة، سريع الاستحضار للمسائل، حاضر الجواب، ذا عناية بالتفسير والفقه المالكي والعربية والبلاغة والأصول.
ومن مصنفاته «توكيد العقد فيما أخذ الله علينا من العهد»، وهو حاشية على شرح «أم البراهين» للسنوسي، في نحو عشرين كراسًا، و«شرح التسهيل» لابن مالك، وحاشية على شرح المرادي، ورسالة في أصول النحو على طريقة «الاقتراح» للسيوطي ألفها باسم السلطان محمد، ولامية في إعراب لفظ الجلالة جمع فيها أقوال النحويين ثم شرحها، و«المحاكمات بين أبي حيان والزمخشري»، و«التحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية»، وله مؤلفات أخرى في الفقه والعربية.
خرج في أواخر حياته من مصر قاصدًا الحج عن طريق البحر، فتوفي في السفينة في ربيع الأول سنة 1096هـ. ولما كان البر بعيدًا أراد أهل السفينة دفنه في البحر، ثم تمكنوا من الوصول إلى موضع يسمى رأس أبي محمد فدفنوه هناك، وبعد ذلك نقل ابنه عيسى جثمانه إلى القاهرة ودُفن بالقرافة الكبرى في تربة المالكية.