مكتب الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

أبو الفداء إسماعيل بن علي الأيوبي

الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شادي الأيوبي، صاحب حماة: مؤرخ وجغرافي وعالم من ملوك بني أيوب. وُلد بدمشق في جمادى الأولى سنة 672هـ الموافق 1273م، بعدما خرج أهله من حماة خوفًا من التتار، ثم عاد إليها في شهوره الأولى فنشأ فيها. وكان أبوه الملك الأفضل علي من أمراء البيت الأيوبي المشاركين في الحروب ضد الصليبيين، وتوفي سنة 692هـ، وكانت أمه معروفة بالعبادة والتقوى، وتوفيت سنة 728هـ. وكان له أخوان: أسد الدين عمر وبدر الدين حسن، ورُزق سنة 712هـ ولدًا سماه محمدًا، فتولى محمد حكم حماة بعد وفاة أبيه.

جمع أبو الفداء منذ صغره بين التربية العلمية والعسكرية، فحفظ القرآن الكريم وعددًا من الكتب، واشتغل بالفقه الشافعي والتفسير وأصول الدين والنحو والصرف والعروض والمنطق والتاريخ والطب والفلسفة وعلم الهيئة والميقات، كما تدرب على الفروسية والقنص وفنون القتال. وبدأ مشاركاته العسكرية في سن مبكرة، فشهد مع أبيه وعمه فتح قلعة المرقب وهو في نحو الثانية عشرة، ثم شارك في فتح عكا وقلعة الروم، وفي الحملات على بلاد السيس، واشترك في مقاومة التتار. وفي سنة 702هـ قاد فرقة من الجيش لرد غارة للتتار على القريتين شرقي حمص، وتمكنت القوة من دفعهم باتجاه الفرات.

وكان من شيوخه جمال الدين محمد بن سالم بن واصل الشافعي، صاحب «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب»، وقد تردد عليه أبو الفداء وهو في نحو الخامسة والعشرين، وقرأ عليه شرحه لعروض ابن الحاجب، وعرض عليه ما أشكل عليه من كتاب «أقليدس»، وصحح عليه أسماء عدد من أصحاب التراجم الواردة في كتاب «الأغاني». واهتم بجمع الكتب واقتناء نفائسها، وظل يزيد في مكتبته إلى آخر حياته، كما اتسعت معرفته بالكتب العربية وما نُقل من علوم اليونان إلى السريانية والعربية.

وبرزت سعة معارفه كذلك في الطب وعلم النبات؛ فقد شارك في علاج ابنه محمد حين مرض في مصر، وتعاون في ذلك مع رئيس الأطباء جمال الدين إبراهيم بن أبي الربيع المغربي. وذُكر أنه خاض في أحد مجالس العلماء والأطباء في أسماء النباتات وصفاتها ومواضع نباتها ومنافعها، فأظهر معرفة واسعة أثارت إعجاب الحاضرين. كما تدل مؤلفاته على رسوخ صلته باللغة والنحو وأخبار الأدباء والشعراء واللغويين.

كان أبو الفداء قريبًا من ابن عمه الملك المظفر الثالث صاحب حماة، يصحبه في بعض رحلاته وغزواته وصيده ويقوم ببعض السفارات عنه. وبعد زوال الحكم الأيوبي عن حماة اتصل بالسلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون وخدمه في أثناء مقامه بالكرك، فوعده بحماة. وفي 18 جمادى الأولى سنة 710هـ أُقِرَّ له بها، ثم ازدادت منزلته عند السلطان حتى أركبه في القاهرة سنة 720هـ بشعار الملك وأبهة السلطنة، ولُقِّب أولًا بالملك الصالح ثم بالملك المؤيد، ومُنح في حماة سلطة واسعة. وبذلك أعاد فرع بني أيوب إلى حكم حماة بعد انقطاع حكمهم عنها.

كانت له عند السلطان الناصر منزلة رفيعة، وكان السلطان يستدعيه إلى مجالسه ويصحبه في بعض رحلاته وصيده وحجه، كما خُوطب بألقاب سلطانية مميزة. وقابل أبو الفداء ذلك بالوفاء، فكان يزور مصر ويقدم إلى السلطان ما يحمل معه من الخيل والجواهر وغيرها. وظل صاحب حماة إلى وفاته، واستمر الحكم الأيوبي فيها بعده في ابنه محمد إلى سنة 742هـ.

جمع أبو الفداء بين الحكم والعلم، فقرب العلماء وأجرى لبعضهم الرواتب، وهيأ لمن يعجبه علمه أسباب الإقامة بحماة، ومن العلماء الذين اتصلوا به أمين الدين عبد الرحمن الأبهري وعمر بن محمد المعروف بابن العديم. كما قرّب الشعراء، ومنهم ابن نباتة المصري وصفي الدين الحلي، وأجزل لهم العطاء، حتى أصبحت حماة في عهده مقصدًا لعدد من العلماء والأدباء.

واهتم بعمران حماة، ومن أشهر منشآته الجامع المعروف بجامع أبي الفداء، الذي بناه سنة 727هـ، وكان يعرف كذلك بجامع الدهشة لجمال موقعه وبنائه، وأنشأ إلى جواره قبة وضريحًا ومرافق أخرى، منها الحمام والناعورة. كما أضاف إلى الجامع النوري بناءً خصصه لتدريس الفقه الشافعي.

خلّف أبو الفداء مصنفات في عدد من العلوم، وأشهرها «المختصر في أخبار البشر» في التاريخ، وقد أوصل فيه أحداثه إلى سنة 729هـ، ثم أكمله بعده ابن الوردي. واشتهر الكتاب خارج العالم الإسلامي وتُرجم إلى عدد من اللغات. ومن كتبه التاريخية أيضًا «التبر المسبوك في تواريخ أكابر الملوك»، ونُسب إليه «تاريخ الدولة الخوارزمية». أما أشهر آثاره في الجغرافيا فهو «تقويم البلدان»، الذي طُبع مرارًا وتُرجم إلى لغات أوروبية، وكان من أكثر كتبه انتشارًا.

وله في الفقه نظم لكتاب «الحاوي» لنجم الدين القزويني في الفقه الشافعي، وقد شرح هذا النظم شرف الدين ابن البارزي. وله في العروض شرح «المقصد الجليل في علم الخليل» لابن الحاجب، وفي النحو والصرف «شرح منظومة الكافية»، و«كشف الوافية في شرح الكافية»، و«الكُنّاش»، الذي جمع فيه مباحث من النحو والصرف وغيرها، وتظهر فيه عنايته بالقراءات القرآنية وآراء النحويين. وله أيضًا «الموازين»، و«نوادر العلم» في مجلدين، وذُكرت له قطعة من كتاب في الطب، ومجموع في الأخلاق والآداب والزهد والوعظ. أما كتاب «الأحكام الصغرى في الحديث» الذي نُسب إليه في بعض المصادر، فالأصح أنه لابن كثير، وأن نسبة الكتاب إلى أبي الفداء نشأت من التشابه في الكنية.

وكان ينظم الشعر والموشحات، وله شعر في الوصف والغزل، كما عارض بعض موشحات ابن سناء الملك، ووُصفت موشحاته بالحسن. ولم يكن اشتغاله بالشعر بمقدار اشتغاله بالعلم والتاريخ والجغرافيا، لكنه أظهر قدرة أدبية انعكست أيضًا في أسلوب كتبه.

توفي أبو الفداء فجأة في حماة يوم 23 المحرم سنة 732هـ الموافق 1331م، عن نحو 60 سنة إلا ثلاثة أشهر وأيامًا. ودُفن ضحوةً عند والديه في التربة التي أقيم عليها جامعه بظاهر حماة، وكان قد أعد ضريحه قبل وفاته. ورثاه جمال الدين ابن نباتة بقصيدة طويلة، وظل اسمه مرتبطًا بحماة وبمصنفاته، ولا سيما «المختصر في أخبار البشر» و«تقويم البلدان».

كتب أبو الفداء إسماعيل بن علي الأيوبي PDF