شيخ الإسلام، الإمام المجدد، محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي النجدي، ولد في العُيَيْنَة بنجد سنة 1115، ونشأ فيها.
تربى في حجر أبيه الفقيه الحنبلي، ثم انتقل للحج والدراسة في الحجاز، ثم درس في البصرة وبغداد والأحساء، وتأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ودعوته، وخاصة فكرة محاربة البدع والمعتقدات الشركية التي كانت منتشرة بكثرة في نجد وغيرها. وقد ساعده على تحقيق محاربة البدع والشركيات تحالفه مع محمد بن سعود، فكان مجددًا للدعوة السلفية في نجد.
يصف ابن بشر شيئًا من سيرة الشيخ، فيقول: «كان، رحمه الله، كثير الذكر لله، قلما يفتر لسانه من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وكان إذا جلس الناس ينتظرونه، يعلمون إقباله إليهم قبل أن يروه من كثرة لهجه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وكان عطاؤه عطاء من وثق بالله عن الفقر، بحيث يهب الزكاة والغنيمة في مكان واحد، ولا يقوم ومعه منها شيء، ويتحمل الدين الكثير لأضيافه وسائليه والوافدين عليه. وعليه الهيبة العظيمة التي ما سمعنا بها اتفقت لغيره من الرؤساء وغيرهم، وهذا شيء وضعه الله له في القلوب، وإلا فما علمنا أحدًا ألين وأخفض منه جانبًا لطالب العلم، أو سائل حاجة، أو مقتبس فائدة. وكان له مجالس عديدة في التدريس كل يوم وكل وقت، في التوحيد والتفسير والفقه وغيره، وانتفع الناس بعلمه. وكان من بيت علم في آبائه وأعمامه وبني أعمامه، واتصل العلم في بنيه وبني بنيه.
كان سليمان بن علي جده عالم نجد في زمانه، وله اليد الطولى في العلم، وانتهت إليه الرئاسة فيه في نجد، وضربت له آباط الإبل، وصنف وأفتى. أما والده عبد الوهاب، فكان عالمًا فقيهًا قاضيًا في بلد العُيَيْنَة، ثم في بلد حُرَيْمِلَاء. وأما أخوه سليمان بن عبد الوهاب، فله معرفة في الفقه، وكان قاضيًا في بلد حريملاء. وأما محمد، فهو شيخ الإسلام، والبحر الهُمَام، الذي عمت بركة علمه الأنام، فنصر السنة، وعظمت به من الله المنة، بعد أن كان الإسلام غريبًا، فقام بهذا الدين، ولم يكن في البلد إلا اسمه، فانتشر في الآفاق، وكل أمر أخذ منه حظه وقسمه.
وبعث العمال لقبض الزكوات، وخَرْص الثمار من البادي والحاضر، بعد أن كانوا قبل سنوات يسمون عند الناس مُكَّاسًا وعُشَّارًا. ونشرت راية الجهاد بعد أن كانت فتنًا وقتالًا. وعرف التوحيد الصغير والكبير، بعد أن كان لا يعرفه إلا الخواص. واجتمع الناس على الصلوات والدروس، والسؤال عن معنى لا إله إلا الله، وفقه معناها، والسؤال عن أركان الإسلام، وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، ومعاني قراءتها وأذكارها، فتعلم ذلك الصغير والكبير، والقارئ والأمي، بعد أن كان لا يعرفه إلا الخصائص.
وانتفع بعلمه أهل الآفاق؛ لأنهم يسألون عما يأمر به الشيخ وينهى عنه، فيقال لهم: يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ويقال لهم: إن أهل نجد يمقتونكم بالإشراك مع الله في عبادته. فانتهى أناس كثير من أهل الآفاق بسبب ما سمعوه من أوامره ونواهيه. وهدم المسلمون ببركة علمه جميع القباب والمشاهد التي بنيت على القبور وغيرها من جميع المواضع المضاهية لأوثان المشركين في الأقطار، من الحرمين واليمن وتهامة وعمان والأحساء ونجد، وغير ذلك من البلاد».
ثم قال ابن بشر بعد أن سرد جملة من آثاره وفضائله، رحمه الله: «ولو بسطت القول فيها واستقصيتها لاتسع لأسفار، ولكن هذه قطرة من بعض فضائله على وجه الاختصار. وكفى بفضله شرفًا ما حصل بسببه من إزالة البدع، واجتماع المسلمين، وإقامة الجماعات والجُمَع، وتجديد الدين بعد دروسه، وقلع أصول الشرك بعد غروسه. وكان، رحمه الله، هو الذي يجهز الجيوش، ويبعث السرايا على يد محمد بن سعود، ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه، والوفود إليهما، والضيوف عنده، وصدور الأوامر من عنده، حتى أذعن أهل نجد، وتابعوا على العمل بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبايعوا؛ فعمرت نجد بعد خرابها، وصلحت بعد فسادها، واجتمعت بعد افتراقها، وحُقنت الدماء بعد إهراقها، ونال الفخر والفضل والملك من نصره وآواه».
ومن أبرز مشايخ الإمام المجدد الذين نهل منهم علمه: والده عبد الوهاب، والشيخ محمد حياة السندي المدني، والشيخ عبد الله بن سيف النجدي.
وأبناء الشيخ الأربعة علماء وقضاة، جمعوا أنواع العلوم الشرعية، وهم: حسين، وعبد الله، وعلي، وإبراهيم. لهم مجالس علم من أهل الدرعية ومن أهل الآفاق: اليمن، وعمان، ونواحي نجد. وأبناء هؤلاء الأربعة علماء وقضاة.
وقد اشتهر الشيخ بمؤلفاته التي يبين فيها التوحيد الصافي، ومنها: «كتاب التوحيد»، و«كشف الشبهات»، و«الأصول الثلاثة»، و«الرد على الرافضة»، و«مختصر السيرة النبوية»، و«مختصر زاد المعاد»، و«القواعد الأربعة»، وغيرها من الكتب.
توفي الشيخ محمد في العُيَيْنَة بالقرب من الرياض، عن عمر 92 سنة، وكان قد بدأه المرض في شوال من هذه السنة، وتوفي يوم الاثنين آخر شهر شوال، رحمه الله تعالى.