مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

محمد الأمين الشنقيطي
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي أحمد بن المختار الجكني الشنقيطي، من أولاد الطالب أوبك، من ذرية كرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكن الأبر، جد القبيلة المعروفة بالجكنيين، التي يرجع نسبها إلى حمير. وُلِدَ سنة 1325هـ عند ماء يسمى «تنبة» من أعمال كيفا في موريتانيا. نشأ يتيمًا؛ إذ تُوُفِّيَ والده وهو لا يزال صغيرًا يقرأ في جزء عم من القرآن الكريم، فتربى في بيت أخواله، وهم من بني عمومته؛ لأن والدته كانت ابنة عم أبيه. وكان البيت الذي نشأ فيه عامرًا بالعلم والأدب، في بيئة شنقيطية عُرِفَت بانتشار العلم والأدب والفروسية. وقد خَلَّفَ له أبوه ثروة من المال والحيوان، ولم يكن له ولد سواه. بدأ تعلمه صغيرًا، وكان في أول أمره أميل إلى اللعب، ثم حُبِّبَتْ إليه القراءة بعد أن أدرك بنفسه قاعدة قراءة الحروف بالحركات. وحفظ القرآن الكريم على خاله عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم بن أحمد نوح، وفرغ منه وهو في العاشرة من عمره. ثم تعلم رسم المصحف العثماني على ابن خاله سيدي محمد بن أحمد بن محمد المختار، وقرأ عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق، وقالون من رواية أبي نشيط، وأخذ عنه سندًا بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حينئذ قد بلغ 16 عامًا. دَرَسَ في بيت أخواله بعض مختصرات الفقه المالكي، ومنها رجز ابن عاشر، كما دَرَسَ الأدب والنحو على زوجة خاله، وأخذ عنها الآجرومية، وأنساب العرب وأيامهم، والسيرة النبوية، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي وشرحه، ونظم عمود النسب وشرحه في القدر المتعلق بالعدنانيين. ثم أخذ عن غيرهم الفقه المالكي من «مختصر خليل»، والنحو من «ألفية ابن مالك» وغيرها، والصرف والأصول والبلاغة وشيئًا من الحديث والتفسير، أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فحصلهما عن طريق المطالعة. عُرِفَ بعلو الهمة في التحصيل، فلم يكن يجاوز مسألة دَرَسَها حتى يستوعبها ويمحصها، ولو استغرق ذلك ليلًا كاملًا من المطالعة وتتبع كلام الشراح. وكان واسع الحفظ والاطلاع في العقيدة والتفسير والحديث والأصول والعربية، يحفظ آلاف الأبيات من أشعار العرب وشواهد اللغة، وأكثر أحاديث الصحيحين، و«ألفية ابن مالك»، و«مراقي السعود»، و«ألفية العراقي»، ومنظومات في السيرة والغزوات والأنساب والمتشابه من ألفاظ القرآن، ومتونا في الفقه. وكان يقول إنه دَرَسَ كل آية من القرآن على حدة، وتتبع أقوال العلماء فيها. وظهر تمكنه خاصة في التفسير، كما ظهر في دروسه ومحاضراته ومناظراته ومؤلفاته. قرر في دروسه وكتبه عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا سيما في باب الأسماء والصفات، واستدل لها بالأدلة النقلية والعقلية، مع معرفة واسعة بمذاهب المتكلمين وأدلتهم ووجوه الاعتراض عليها. وكان قد دَرَسَ علوم الكلام والمنطق دراسة واسعة، ثم انتهى إلى أن السلامة في اتباع القرآن الكريم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر هذا المنهج في مصنفاته المبكرة والمتأخرة، ومنها «رحلة الحج إلى بيت الله الحرام» و«أضواء البيان». تولى في موريتانيا التدريس والفتيا والقضاء، وكان يقضي بين المتخاصمين بعد إثبات رضاهما بالتحاكم إليه، ويكتب الدعوى والجواب والحكم، ثم يحيلهما إلى من يختارانه من العلماء أو الحكام للتصديق والتنفيذ. وكان يقضي في القضايا المختلفة عدا الدماء والحدود، وكان أحد عضوَي لجنة الدماء التي كانت تُعْرَضُ عليها أحكام القتل للمصادقة. خرج من بلاده في 7 جمادى الآخرة سنة 1367هـ قاصدًا الحج عن طريق البر، وهو ينوي العودة إلى موريتانيا، ودون فوائد تلك الرحلة ومباحثاتها في «الرحلة إلى بيت الله الحرام». وبعد الحج توجه إلى المدينة النبوية وعزم على الاستقرار بها، وكان يقول: «ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم». أتاح له استقراره في بلاد الحرمين التوسع في دراسة المذاهب الفقهية المختلفة والحديث والكتاب والسنة؛ إذ كانت دراسته في بلاده يغلب عليها الفقه المالكي، فازداد اطلاعًا على مذاهب الفقهاء وأدلتهم، وظهر أثر ذلك بوضوح في مناقشاته الفقهية في «أضواء البيان». دَرَّسَ تفسير القرآن في المسجد النبوي، وأتم تفسير القرآن كله، ثم شرع فيه مرة ثانية، ولم يجاوز سورة براءة قبل وفاته، وقد فُرِّغَ ما وُجِدَ من هذه الدروس وطُبِعَ في «العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير». كما دَرَّسَ التفسير في دار العلوم بالمدينة من سنة 1369هـ إلى انتقاله إلى الرياض سنة 1371هـ. انتقل إلى الرياض ودَرَّسَ التفسير والأصول في المعهد العلمي وكليتي الشريعة واللغة العربية، وخصص درسًا لمدرسي المعهد في بعض مؤلفات ابن تيمية، كما دَرَّسَ الأصول لكبار الطلبة في مسجد محمد بن إبراهيم، ولخواص تلامذته في بيته، وأملى شرحًا على «مراقي السعود». وفي سنة 1381هـ انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ودَرَّسَ فيها التفسير والأصول وآداب البحث والمناظرة، وكان عضوًا في مجلسها. كما دَرَّسَ في المعهد العالي للقضاء بالرياض منذ افتتاحه سنة 1386هـ بوصفه من الأساتذة الزائرين. وسافر سنة 1385هـ على رأس بعثة من الجامعة الإسلامية إلى 10 دول إفريقية، بدأت بالسودان وانتهت بموريتانيا، واستمرت أكثر من شهرين، وألقى خلالها دروسًا ومحاضرات وخاض مباحثات علمية، ثم فُرِّغَتْ هذه المادة واعْتُنِيَ بها وطُبِعَتْ بعنوان «الرحلة إلى إفريقيا». وعندما شُكِّلَتْ هيئة كبار العلماء في 8 رجب 1391هـ كان واحدًا من أعضائها، كما كان عضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي. عُرِفَ بالزهد والقناعة والبعد عن مظاهر الدنيا، فلم يكن يحتفظ من المال إلا بما يكفيه شهرًا، ويوزع ما زاد على فقراء الطلبة والعجزة والأرامل من قرابته، ولم يكن يهتم بمظهره وملبسه، حتى إنه لم يكن يميز بين فئات العملة الورقية. كما امتنع عن بيع كتبه في حياته، وكان يريد أن تصل إلى طلاب العلم مجانًا. وروى محمد بن صالح العثيمين أنه استهان بمظهره أول ما رآه، فلما بدأ الشنقيطي دَرْسَه تبين له أنه أمام عالم واسع العلم، فانتفع بعلمه وسمته وزهده وورعه. ترك عددًا من المؤلفات في التفسير والأصول والمنطق والفقه والأنساب والفرائض. فمن مؤلفاته المبكرة «خالص الجمان في ذكر أنساب بني عدنان»، وقد ألفه قبل البلوغ ثم دفنه؛ لأنه كتبه بنية التفوق على الأقران، وله رجز طويل في فروع مذهب مالك يتعلق بالبيوع والرهون، و«ألفية في المنطق»، ونظم في الفرائض، وشرح على «سلم الأخضري» في المنطق. ومن أشهر كتبه بعد استقراره في بلاد الحرمين «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز»، و«دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» الذي كتبه في 15 ليلة سنة 1373هـ، و«مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر»، و«آداب البحث والمناظرة»، و«أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، وهو أكبر كتبه، و«بيان الناسخ والمنسوخ في آي الذكر الحكيم». وأملى شرحًا كاملًا تقريبًا على «مراقي السعود»، وطُبِعَ بعد ذلك باسم «نثر الورود على مراقي السعود»، وهي تسمية وضعها محققه ولم يسمه المؤلف بهذا الاسم. وله كذلك فتاوى وأجوبة، منها فتوى في التعليل بالحكمة، وبحث في حكم السعي فوق سقف المسعى، ورسالة في حكم الصلاة في الطائرة، وأجوبة في مسائل عقدية وفقهية، منها مقر العقل، ودخول الكافر المساجد، ودخول أهل الكتاب في لفظ المشركين. وله محاضرات منها «منهج التشريع الإسلامي وحكمته»، و«المثل العليا»، و«المصالح المرسلة»، و«الإسلام دين كامل»، و«منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات»، ومحاضرة حول شبهة الرقيق. غلب عليه في أواخر حياته التحرز الشديد من الفتيا، فكان يتجنب الجزم فيما لا يقوم عليه عنده نص قاطع، ويقول عند اضطراره للجواب: «العلماء يقولون كذا وكذا». كما كان يرجع عن اجتهاده إذا ظهر له خلافه؛ ومن أمثلة ذلك أنه كان يرى نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم وينصره مدة، ثم رجع عنه وقرر بقاء حرمتها، كما رجع في «أضواء البيان» عن عدد من المسائل التي كان قد قررها في شرحه لـ«مراقي السعود». تُوُفِّيَ ضحى يوم الخميس 17 ذي الحجة سنة 1393هـ في منزله بمكة المكرمة، وصلى عليه عبد العزيز بن باز بعد صلاة الظهر، ودُفِنَ في مقبرة المعلاة بريع الحجون.
كتب محمد الأمين الشنقيطي PDF