
عبد الرزاق عفيفي
عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر بن شرف الدين النوبي: فقيه وأصولي ومفسر مصري، عُرِفَ بسعة علمه في العقيدة والفقه وأصوله والتفسير واللغة العربية، وأمضى جانبًا كبيرًا من مسيرته العلمية في التدريس والإفتاء بالمملكة العربية السعودية. وُلِدَ يوم 27 رجب سنة 1323هـ الموافق 16 ديسمبر 1905م في قرية شنشور التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية في مصر.
نشأ في أسرة محافظة وفي بيئة ريفية، وكان والده عفيفي بن عطية النوبي من أهل الصلاح في قريته وحافظًا للقرآن الكريم. وبدأ عبد الرزاق عفيفي حياته العلمية بحفظ كتاب الله تعالى حفظًا متقنًا مع تجويده، وأخذ في ذلك عن عدد من مشايخه، ومنهم محمد بن حسن عافية.
اتسم تكوينه العلمي بالعناية الواسعة بعلوم الشريعة واللغة، فبرز في الفقه وأصوله والعقيدة والتفسير، كما عُرِفَ بسعة معرفته بالعربية، ولا سيما النحو، وكان فصيح العبارة، دقيق التعبير، يميل إلى الإيجاز والإحكام والبعد عن التكلف.
انتقل إلى المملكة العربية السعودية سنة 1368هـ، واستقر بها، وشارك في التدريس في المعاهد والكليات العلمية والمؤسسات الشرعية. كما عمل مديرًا ومحاضرًا في المعهد العالي للقضاء، وارتبط عمله العلمي بإدارات البحوث العلمية والإفتاء، وشارك في أعمال الفتوى والإجابة عن أسئلة الناس، ولا سيما في مواسم الحج.
ترك أثرًا بارزًا في تدريس العلوم الشرعية وتأهيل طلاب العلم، وتتلمذ عليه عدد كبير من الطلاب والأساتذة والدعاة. وكان واسع المعرفة بمذاهب العلماء ومسائل الفقه والأصول والتفسير والعقيدة، مع قدرة ظاهرة على استحضار النصوص والمراجع والوقائع العلمية.
وعُنِيَ بعلم أصول الفقه عناية خاصة، ورأى فيه الطريق إلى استنباط الأحكام الشرعية ومعالجة النوازل والمستجدات، وتميز منهجه الأصولي بالتحقيق، والنظر في الأدلة، ومراعاة مقاصد الشريعة، والنظر في المصالح والمفاسد وعواقب الأحكام، مع البعد عن التعجل في الترجيح.
وكان قوي الحافظة سريع البديهة، واسع الاطلاع، حتى عُرِفَ باستحضار مواضع المسائل في الكتب وأجزائها وصفحاتها، كما كان يملي على طلابه قدرًا كبيرًا من المادة العلمية من حفظه. واجتمع له مع ذلك دقة الفهم وسرعة الإدراك والقدرة على تحليل المشكلات وتمييز مقاصد السائلين عند الإفتاء.
تميز في مجال التعليم والفتوى بهدوئه وسعة صدره، فكان يصغي إلى السائل ويحرص على إفهامه الحكم، ولا يتكلف جواب ما لا يعلمه، وكان يقول عند انتهاء علمه في المسألة ما يفيد أنه ذكر ما يعرفه ويدعو السائل إلى سؤال غيره. كما لم يكن يضيق بالخلاف العلمي، وكان يقبل الرجوع إلى ما يظهر له أنه الصواب إذا قام عليه الدليل.
وعُرِفَ باستقلال الرأي والبعد عن التقليد والتعصب، وبالثبات على ما يراه حقًا دون مداهنة، مع الرفق في المناقشة والنصيحة. وكان ينظر في عواقب الأمور ويوازن بين المصالح والمفاسد، ويحذر من التعجل الذي قد يؤدي إلى نتائج ضارة على الفرد أو المجتمع.
وكان شديد العناية بالعقيدة والدعوة إلى التوحيد والسنة، والتحذير مما يراه من البدع والانحرافات العقدية، كما تابع أحوال المجتمع الإسلامي والتيارات الفكرية والسياسية المعاصرة، واهتم بقضايا الأمة وما تتعرض له من تحديات فكرية وثقافية.
كما عُرِفَ بالزهد والتواضع وقلة التكلف في الملبس والمسكن والمأكل، والبعد عن الشهرة والمظاهر، وكان يكره المبالغة في مدحه والثناء عليه. واتصف بكثرة الصمت والتأمل، وحسن المعاشرة، ولين الجانب، وإكرام طلاب العلم والضيوف، وعزة النفس وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس.
وكان واسع الصدر في تعامله مع الناس، حليمًا رفيقًا في نصحه وتعليمه، كثير العناية بطلابه، يفرق بينهم في طريقة التعليم بحسب استعدادهم وقدرتهم على الفهم. كما عُرِفَ بالفراسة ومعرفة أحوال المستفتين والطلاب، والاستفادة من ذلك في التعليم والإرشاد.
ابتُلي في حياته بعدد من المصائب والأمراض، فأُصِيبَ بمرض نصفي ثم عوفي منه، كما فقد ثلاثة من أبنائه في حياته؛ فقد قُتِلَ ابنه الأكبر أحمد عاصم في حرب العاشر من رمضان سنة 1393هـ الموافق 1973م، وتُوُفِّيَ ابنه عبد الرحمن إثر حادث سنة 1408هـ الموافق 1988م، ثم تُوُفِّيَ ابنه عبد الله سنة 1412هـ الموافق 1992م. وعُرِفَ بالصبر والثبات عند هذه المصائب، حتى إنه واصل بعض أعماله التعليمية بعد تلقيه خبر وفاة أحد أبنائه.
كتب عبد الرزاق عفيفي PDF
