يوثّق محمد الطاهر الميساوي في «جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور» جانبًا واسعًا من تراث ابن عاشور المتناثر، جامعًا ما أمكنه الوصول إليه من المقالات والبحوث العلمية التي نشرها في المجلات والصحف منذ بدايات مسيرته في الكتابة، ومن الرسائل والأبحاث التي صدرت مستقلة، وقد جاءت الجمهرة في أربعة مجلدات. ويبين الميساوي أنه لم يقصد جمع الفتاوى إلا قدرًا يسيرًا منها حين تكون أقرب إلى البحث العلمي القائم على التحليل والاستدلال، وأن عنايته انصرفت أساسًا إلى إبراز كتابات ابن عاشور التي يثير فيها المسائل ويحللها ويناقش الأقوال ويحققها في ميادين علمية متعددة. ولم يقتصر الجامع على المقالات والرسائل وحدها، بل ضم إليها بعض ما كتبه ابن عاشور مقدماتٍ لتحقيق دواوين الشعر وكتب الأدب، وطائفة من خطبه في مناسبات متصلة بجامع الزيتونة وفروعه، ورسائل ومخاطبات أدبية وشخصية بعث بها إلى شيوخه وزملائه وأصدقائه، وألحق بالمجموع نصين لابنه محمد الفاضل ابن عاشور وضع كل واحد منهما في الموضع المناسب لموضوعه. واختار للمادة ترتيبًا موضوعيًا بدل ترتيبها بحسب تاريخ النشر، فقسمها إلى خمسة محاور كبرى، لتجتمع موضوعات المجال الواحد وإن تباعدت تواريخ كتابتها. كما اعتنى بضبط النصوص وترتيب فقراتها، وتوثيق الشواهد والنقول والإحالات من مصادرها، والتعليق في المواضع المحتاجة من غير توسع، وربط بعض المقالات عند الحاجة بنصوص أخرى لابن عاشور، ولا سيما من «التحرير والتنوير»، لإيضاح معنى أو استكمال حجة. ومع سعة هذه الجمهرة، ينص جامعها على أنها لا تستوعب جميع ما كتبه ابن عاشور ونشره، إذ تعذر الوصول إلى بعض المقالات والبحوث التي عُرف وجودها أو أماكن نشرها.
وتتوزع مواد الجمهرة على ميادين تكشف اتساع موضوعات كتابة ابن عاشور؛ فالمحور الأول في العقيدة والتفسير والفكر والحكمة، ويضم بحوثًا في شروط النظر في التفسير، والمتشابه وآيات الصفات، ومسائل عقدية وقرآنية، إلى جانب مقالات في التجديد والفكر والحكمة وأصول التقدم والإصلاح. أما المحور الثاني ففي «فقه السنة»، ويجمع بين فقه الحديث وفقه النبوة والسيرة؛ فيبحث نشأة تدوين الحديث وطرق تمحيص الرواية وأحوال الأسانيد والمتون، ويعرّف بـ«الموطأ» للإمام مالك، ويتناول أحاديث ومسائل مفردة بالشرح والنقد، ثم ينتقل إلى موضوعات تتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وأحوال الدعوة. ويختص المحور الثالث بالأصول والفقه والفتوى؛ فترد فيه بحوث في حكمة التشريع ومقاصده وصلته بإصلاح الأخلاق، ومسائل أصولية وفقهية تطبيقية، وبحوث في الوقف والنسب وغيرها، مع إدراج بعض الفتاوى التي اتخذت صورة بحث تحليلي استدلالي، ثم ألحق به بحث محمد الفاضل ابن عاشور في «المصطلح الفقهي في المذهب المالكي». ويجمع المحور الرابع بحوث اللغة والأدب، فيتناول قضايا لغوية مثل المشترك والترادف ودلالات الألفاظ، ودراسات في البلاغة مثل بحث «الجزالة»، ثم دراسات الأدب والنقد وشرح مقدمة المرزوقي على «ديوان الحماسة» وما كتبه ابن عاشور في الشعر والشعراء، وتندرج فيه دراسته المطولة التي قدم بها لديوان بشار بن برد، ويلحق به بحث محمد الفاضل في «السند التونسي في علم متن اللغة». ويأتي المحور الخامس بعنوان «مراجعات ومتابعات ومتفرقات»، وفيه نقد الكتب ومراجعتها، ومن ذلك نقده العلمي لكتاب «الإسلام وأصول الحكم»، ثم متابعات في الاستعمال العربي والأخطاء اللغوية، ومقدمات وضعها بين يدي كتب ودواوين حققها، وتختم مادته بطائفة من الخطب والرسائل والمخاطبات، ومنها خطبه في جامع الزيتونة وما تناول فيها العلم والتعليم وإصلاح مناهجه، إلى جانب مراسلاته وصلاته العلمية والأدبية؛ فتجمع الجمهرة بذلك نصوصًا نشأت في مناسبات وأزمنة مختلفة وتتناول القرآن والسنة والأصول والفقه واللغة والبلاغة والأدب والنقد والتعليم والإصلاح، مع إبقاء كل نص في طبيعته الأصلية من مقال أو بحث أو مراجعة أو مقدمة أو خطبة أو رسالة.