يضمّ محمد الطاهر بن عاشور في «تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة» مجموعة من البحوث والمراجعات التي تتناول مسائل محددة في تفسير القرآن الكريم وعلوم السنة والحديث، وقد قسَّم الكتاب إلى قسمين: أولهما في القرآن، وثانيهما في السنة. ويصدره بتنبيه على خطورة التفسير بغير علم، مؤكدًا أن الخوض في معاني القرآن يحتاج إلى التمكن من علوم الشريعة والعربية، ولا سيما المعاني والبيان، وأن من لم تتوافر فيه أهلية التفسير فعليه أن يقف عند نقل كلام المفسرين المعتبرين أو جمعه وترتيبه بحسب مقدار قدرته. ويشتمل القسم القرآني على ستة تحقيقات؛ يبدأ بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فيعرض طرائق العلماء في آيات الصفات، وطريقة السلف في الإمساك عن تفصيل التأويل، وطريقة الخلف في بيانه، ويناقش تأويل الاستواء بالاستيلاء أو الاقتدار والكناية عن الملك، ثم يختار تفسير التركيب على طريق الاستعارة التمثيلية الدالة على عظمة الله تعالى مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقين. ثم يحقق معنى قوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}، فيناقش ما قيل في تسمية يوم القيامة بذلك، ويستعين بالسياق وأحوال المخاطبين وعادات قريش في أسواقها ليبين الصورة التمثيلية التي يجمعها التركيب وما فيها من معنى الربح والخسران. ويعقب ذلك بمراجعة في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، فيوازن بين وجوه التفسير ويرجح المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما في تذكير قريش بحق القرابة، ويبحث دلالة حرف «في» والاستثناء وما يتصل بذلك من دقائق البلاغة. ثم يفرد بحثًا لـ«شرف الكعبة» من قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}، فيحلل موقع الآيات في السياق، ومعاني الأولية والبيت والوضع والبركة والهداية ومقام إبراهيم عليه السلام والأمن، وينتهي إلى أن الكعبة أول بيت أُقيم للناس لعبادة الله تعالى وتوحيده، رابطًا ذلك بملة إبراهيم عليه السلام والحج وشرف البيت الحرام. ويتناول بعده «تكليم الله لموسى عليه السلام» وما يتصل بمعنى الكلام والوحي وانقطاع الواسطة، ثم يختم القسم بتفسير قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، فيبحث نظم الآية وفاءها وأمرها وحال «حنيفًا» ومعنى الفطرة والدين القيّم، ويصل بين التحليل اللغوي والبلاغي وبين دلالة الفطرة العقلية وصلاح أحكام الإسلام لأحوال الإنسان.
ويفتتح القسم الثاني في السنة ببحث «عصمة الأنبياء»، فيعرض تعريف العصمة وأقوال المتكلمين في حقيقتها وأسبابها، والخلاف في الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها، ويناقش أدلة الأقوال وما نقله عياض وغيره، ثم ينتقل إلى دراسة موسعة عن «المهدي المنتظر» يبحث فيها نشأة القول به، والآثار المروية فيه، وطرق أسانيدها وأحوال رجالها، ثم ينظر فيها من جهة نقد الحديث ومن جهة النظر. ويشرح بعد ذلك أثرًا من «موطأ الإمام مالك» في جامع القضاء وكراهيته، ثم يضع تعريفًا موسعًا بـ«الموطأ» يتناول نشأة علم الحديث وتدوينه، وغرض الإمام مالك من تأليفه، ومعنى الحديث الصحيح، واسم الكتاب وطريقة تنقيحه. ويعقب ذلك بمراجعة لكتاب «فتح الملك العلي» في حديث «أنا مدينة العلم»، يجعل فيها الخلاف راجعًا إلى أصول نقد الرواة والتشدد أو التساهل في قبول الأخبار، ثم يفصل النظر في طرق الحديث ورجاله وشواهده وينتهي إلى عدم تحقق شروط الصحيح أو الحسن فيه. ثم يتتبع ثماني روايات لحديث «طلب العلم فريضة»، ناظرًا في أسانيدها واحدًا واحدًا وأحوال رواتها، ويورد طائفة من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة الرائجة على ألسنة الناس وينبه إلى ضرورة تمحيصها. ويبحث إشكال حديث «سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوًا من سوى أنفسهم» من جهة ثبوته ومعناه وصلته بما وقع في تاريخ المسلمين، ثم يحقق حديث «من سئل عن علم فكتمه» من جهة أسانيده وعموم لفظه والأحوال التي يجب فيها بيان العلم أو يجوز فيها الإمساك عنه، ويتناول حديث «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» جامعًا طرقه وألفاظه وحكم المحدثين عليها ثم شارحًا معناه. ومن أوسع بحوث القسم بحث حديث «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها»، إذ يحقق معنى التجديد وابتداء حساب المائة وصفات المجدد وإمكان تعدده، ويناقش اختيارات ابن السبكي وابن الأثير وغيرهما، ثم يتتبع من عدهم مجددين في القرون. ويلي ذلك تحقيق حديث «خلق النور المحمدي»، فيبحث نسبته إلى عبد الرزاق، وينقد سنده ولفظه ومعناه ويقابله بما ثبت في أول المخلوقات، ثم يحرر مصطلح «الحديث القدسي» من حيث تعريفه وصيغ روايته والفرق بينه وبين القرآن والحديث النبوي، وينتهي بعد مراجعة مجموعة من الأحاديث المصنفة قدسية إلى عدِّ 54 حديثًا منها مستوفيةً لما حدده لهذا الاسم. ثم يبحث شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيقسم الشفاعات إلى خمسة أقسام ويناقش أدلتها وما اختص منها بالنبي صلى الله عليه وسلم والخلاف في بعضها، قبل أن يختم الكتاب بجواب في «مسألة علم الهيئة» يتناول حركة الأرض والشمس، ويفسر قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} بما يوافق دلالة الآية وما يقرره علم الهيئة في حركة الشمس وانتقالها، وينتهي الكتاب بهذه المسألة.