ينظّم ابن جزي الكلبي في هذا الكتاب مسائل الفقه على أساس مذهب مالك، مع بيان مواضع الاتفاق والخلاف بينه وبين مذاهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وقد ينبه كذلك إلى أقوال غيرهم من أئمة المسلمين. ويصرح في مقدمته بأن مقصوده الجمع بين تمهيد المذهب المالكي وذكر الخلاف العالي، مع إحكام التقسيم والترتيب والجمع بين الإيجاز والبيان. ويضع للكتاب اصطلاحًا خاصًا يضبط المقارنة؛ فيقدم مذهب مالك أولًا، ثم يتبعه بمذهب غيره تصريحًا أو إشارة، ويجعل لفظ «المذهب» لمذهب مالك، و«المشهور» لمشهور مذهبه، ويفسر مراده بعبارات مثل الأربعة والثلاثة والإمامين والجمهور والإجماع، وينبه إلى أن قوله «قيل» أو «اختلف» أو «قولان» ونحو ذلك يراد به غالبًا الخلاف داخل المذهب المالكي. ويفتتح الكتاب بعقيدة موجزة قدّمها على الفروع، وجعلها في 10 أبواب تتناول وجود الله تعالى وصفاته وأسماءه الحسنى وتوحيده وتنزيهه، ثم الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، والدار الآخرة وما فيها من البرزخ والبعث والحساب والجزاء والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، ثم الإمامة والإيمان والإسلام والاعتصام بالسنة.
ويقسم ابن جزي الفقه بعد ذلك إلى قسمين، في كل قسم 10 كتب و100 باب، فيكون مجموعهما 20 كتابًا و200 باب؛ فالقسم الأول للعبادات، ويشمل الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والجهاد والأيمان والنذور والأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا والعقيقة والختان، مع تفريع المسائل وتقسيم أحكامها وذكر مواضع الخلاف المذهبي فيها. ويخصص القسم الثاني للمعاملات، مبتدئًا بالنكاح وما يتصل به، ثم الطلاق، والبيوع وأقسامها والربا والسَّلَم وسائر العقود، ثم الأقضية والشهادات والأبواب المتعلقة بالقضاء، والدماء والحدود، والهبات والأحباس وما يجانسها، والعتق، والفرائض والوصايا. ويظهر منهجه المقارن أثناء هذه الأبواب في عرض حكم المذهب المالكي ثم إلحاق ما خالفه أو وافقه من بقية المذاهب، وقد يفصل أحيانًا مذاهبهم في جزئيات المسألة الواحدة، كما يفعل في أوقات الصلاة وصفاتها والبيع والهبة والقضاء وغيرها. ويختم الفقه بـ«كتاب الجامع» في 20 بابًا لما لم يدخل في الكتب السابقة، ويجعله مشتملًا على العلم والعمل وما يتعلق بالأقوال والأبدان والقلوب والأموال وعلاقة الإنسان بغيره. فيتناول فيه سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتوبة والتقوى والاستقامة، وتلاوة القرآن والذكر والدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآفات اللسان، وأعمال القلوب من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والإخلاص والمراقبة والمحبة والتواضع وسلامة الصدر، وما يقابلها من الرياء والعجب والكبر والحسد والحقد والغفلة، ثم أحكام المال من الزهد والورع والإنفاق. ويمتد هذا الجامع إلى آداب الأكل والشرب والرؤيا والسفر والصحبة والسلام والاستئذان والعطاس، وخصال الفطرة وما يتعلق بالبدن، وأحكام الدواب والتصوير، وأحكام مخالطة الرجال للنساء، ثم يختم بباب الطب والرُّقى وما يتصل بالتداوي وعيادة المريض والعين والطاعون والعدوى والرُّقية، لتنتهي به أبواب الكتاب.