يجمع ابن كثير في هذا الكتاب ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نُقل عنه من الآثار والأقوال والفتاوى والأحكام، ويرتب ذلك على أبواب العلم والفقه. ويبدأ بكتاب الطهارة، ويجعل حديث «إنما الأعمال بالنية» في صدر المسند، ثم يتتبع طرقه وألفاظه ومَن أخرجه من أصحاب الكتب، قبل أن تتوالى أبواب الصلاة والجنائز والزكاة والنكاح والجنايات والحدود والأقضية والتفسير، ثم «كتاب الجامع» الذي يورد فيه ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العلم وغيره. وتجمع هذه الأبواب بين المرفوع والموقوف؛ فتظهر فيها روايته للحديث إلى جانب قضائه واجتهاده في الوقائع، وما صدر عنه في العبادات والمعاملات والأنكحة والحدود والقضاء والتفسير وسائر المسائل التي نُقلت عنه، مع إحالة بعض الأخبار إلى مسانيد الصحابة الذين تكون الرواية أليق بموضعهم، وإحالة ما سبق إلى موضعه إذا تكرر معناه أو طريقه.
ويتتبع ابن كثير أسانيد هذه المرويات وطرقها، فلا يكتفي بسوق الحديث أو الأثر؛ بل يوازن بين الروايات، ويذكر الاختلاف في الإسناد واللفظ، وينبّه إلى الانقطاع والإرسال وجهالة بعض الرواة أو ضعفهم، ويحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الغرابة بحسب ما يظهر له، وقد يستشهد للطريق الضعيف بما ورد من وجه آخر. ففي بعض الروايات يصرح بأن الإسناد منقطع لعدم إدراك الراوي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي أخرى يصف الحديث بأنه غريب من ذلك الوجه ويبحث حال راويه، كما يرجح أحيانًا سقوط راوٍ من الإسناد أو يبيّن أن الرواية أنسب بمسند صحابي آخر. ولا ينفصل نقد الحديث عنده عن الفقه؛ فقد يعقب الأثر ببيان ما يُحتج به لمذهب فقهي، أو يذكر اعتماد الأئمة على فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويعرض ما خالفه من أقوال السلف والمتأخرين، كما صنع في مسألة الطلاق الثلاث. ويصرح في خاتمة الكتاب بأنه جمع فيه الأحاديث المسندة والآثار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما ما يتصل بأخلاقه وسياسته وكتبه وطائفة من أحكامه فقد أبقاه في كتاب سيرته ولم يُعِدْه هنا؛ فحدود هذا المسند مرسومة على جمع الرواية والفقه المنقول عنه، لا على استيعاب سيرته وأيام خلافته.