يفرد ابن كثير هذا الجزء لمسألة بيع أُمَّهات الأولاد، ويبدأ بحصر ما انتهى إليه الخلاف فيها في ثمانية أقوال: المنع من البيع مطلقًا، والجواز مطلقًا، وجواز البيع في حياة السيد مع العتق بموته، وبيعها في الدَّين، وبيعها أو احتسابها من نصيب ولدها، وجواز بيعها بشرط العتق، والتفريق بين مَن عفَّت واتقت ومَن فجرت أو كفرت، والوقف في المسألة. ثم يعود إلى هذه الأقوال واحدًا واحدًا، فيذكر مَن قال بها من الصحابة والتابعين والأئمة، وينقل ما حُكي من الإجماع في بعضها، ويعرض مستند كل قول من القرآن والسنة والآثار والإجماع والمعنى والقياس، مع بيان وجه الاستدلال ومناقشة ما يَرِد عليه. ويأخذ القول بمنع البيع حظًّا واسعًا من البحث، فيورد ما احتُج به له من الآيات والأحاديث والآثار، ثم يبحث أسانيد المرويات ودلالاتها، وكذلك يصنع بأدلة مَن أجاز البيع، وفي مقدمتها حديث جابر في بيع أمهات الأولاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وشطر من خلافة عمر. ولا يكتفي بمجرد نقل دعاوى الإجماع أو أقوال الأئمة، بل ينظر في ثبوتها ودلالتها، ويوازن بين الأخبار التي ظاهرها التعارض، ويبحث إمكان الجمع بينها أو تخصيص بعضها ببعض.
ويظهر جانب كبير من البحث في نقد الروايات وتحرير القواعد التي يتوقف عليها الترجيح؛ فينقل الأحاديث بأسانيدها، ويتتبع اختلاف طرقها، وما فيها من إرسال أو رفع ووقف، ويناقش إعلال الأئمة لها، كما يتعرض عند الحاجة لمسائل أصولية وحديثية من صميم الاستدلال، كحجية المرسل، والإجماع السكوتي، ودلالة قول الصحابي: «كنا نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم»، وتخصيص الحديث بمذهب الصحابي، ثم يعود منها إلى أصل المسألة. ومن خلال الجمع بين حديث جابر، وحديث ابن عباس في عتق أُم الولد عن دُبُر سيدها، وما ورد في بيعها في الدَّين، صاغ ابن كثير وجهًا يجمع بين جملة من الأدلة: أن تباع في حياة سيدها، وتعتق بموته، إلا إذا كان عليه دَيْن فتُباع فيه، وعدَّ هذا تفصيلًا يمكن إحداثه على ما قرره من أصول الخلاف. ثم ألحق بالمسألة الأصلية أحكامًا تتصل بأُم الولد، منها حكم الجارية إذا استولدها الرجل في ملك غيره ثم ملكها، وحكم أولادها الحادثين بعد استيلادها، وإجارتها، وأُم ولد الكافر إذا أسلمت، وما تتربص به بعد موت سيدها، وقَرْض الإماء، فصار الجزء بحثًا في أصل بيع أُم الولد وما يتفرع عنه، مع وصل الفروع بأدلتها وآثار السلف واختلاف الفقهاء فيها.